ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالاعتبار من هذا اليوم من شهر ربيع الأول، وهو اليوم الذي وصل فيه رسول الله (ص) إلى غار ثور؛ المكان الذي لجأ إليه هو وصاحبه خلال هجرته من مكة إلى المدينة، اتقاء من قريش التي كانت تسعى آنذاك لقتله.

يومها، لما علمت قريش بخروجه، تتبعت آثاره وآثار صاحبه، فوصلت إلى فم الغار. هنا، يذكر القرآن الخوف والحزن الَّذي أصاب صاحبه، ولكنَّ رسول الله (ص) كان له موقف آخر أشار إليه الله سبحانه عندما قال: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}.

فلنستهدِ في هذا اليوم برسول الله (ص)، حتى ينزل الله علينا سكينته، ويؤيدنا بجنود لن نراها، بأن نستشعر حضور الله في نفوسنا، وأن نثق بأنه القادر على أن يغير سوء حالنا بحسن حاله، وأن ينقلنا من ضعف إلى قوة، ومن ذل إلى عزة.

إننا أحوج ما نكون إلى استحضار هذه القيمة، في وقت تعصف بنا التحديات، وتكبر الأخطار. وبذلك، نصبح أكثر وعياً ومسؤولية وقدرة على مواجهة التحديات.

والبداية من لبنان، الّذي عادت لتطغى عليه أجواء التشاؤم بقرب تأليف الحكومة، حيث يزداد الحديث عن أزمة طويلة لا بدَّ من التعايش معها، وتترتب على أساسها الأعمال، وهذا ناتج، حتى الآن، من غياب أية مخارج تنهي العقدة الأخيرة من عقد تأليف الحكومة، وهي التي يتعارف عليها بـ”عقدة المستقلين السنة”، حيث يستمر الخلاف حول مدى أحقيتهم في التمثيل الوزاري والأثر الذي يتركه هذا التوزير على توازن الحكومة الجديدة.

ونحن أمام ما يجري، لا بدّ من أن نقدّر الحرص الَّذي رأيناه من قبل الأطراف المعنيين على إبقاء هذا الخلاف في إطاره السياسيّ الهادئ نوعاً ما، وإبعاده عن الاستخدام في التوتير المذهبي والطائفي، وندعو إلى الحفاظ على هذا المسار، حرصاً على استقرار البلد، ومنعاً للمصطادين في الماء العكر من أن يصلوا إلى غايتهم.

وفي الوقت نفسه، فإنَّنا نعيد دعوة القيادات السياسية إلى تحمّل مسؤوليّتها، وعدم توفير أيّ جهد لإيجاد حلّ لهذه العقدة، فلا يمكن أن تحل بعدم المبالاة أو بإدارة الظهر أو بالانكفاء.. ونحن لا نزال على موقفنا من كونها غير مستعصية إن توفّرت الرغبة لدى جميع الأطراف في الوصول إلى حلّ، ولم يبقَ كلّ طرف على موقفه لا يتقدَّم خطوة باتجاه الآخرين.

وإذا كان البعض يتحدّث عن أنَّ تعقيدات الخارج هي التي أدّت إلى تعقيدات في الداخل، وأدت إلى صعوبة الحلّ، فإنَّنا لا نرى أنَّ الأمر الآن هو على هذه الصّورة الّتي يتحدَّث بها هؤلاء.

إنَّ من المسلمات لاستقرار هذا البلد أن تعالج مشاكله وخلافاته بالتسويات، وبالتوازن بين طوائفه ومذاهبه ومواقعه السياسية، فلا يحكم بسيطرة فريق على آخر، أو بغلبة طائفة على أخرى، أو مذهب على مذهب آخر.

ولذلك، فلنكفّ عن هذه المناكفات، ولنستعجل التسويات، حفاظاً على هذا البلد الذي يواجه تحدياً اقتصادياً، حيث الحديث المستمر من قبل العارفين بحقيقة الوضع الاقتصادي عن خطورة هذا الوضع وتداعياته على الاستقرار النقدي، إن لم نسارع إلى علاجه.. ويواجه تحدّياً أمنياً من تهديدات العدو الصهيوني التي يعبّر عنها من خلال تصريحات مسؤوليه، أو من خلال ما ينقله الموفدون الدوليون وغير الدوليين من تهديدات للبنان، بحجة وجود مصانع أسلحة أو صواريخ كاسرة للتوازن.

إنّ هذه التحدّيات وغيرها مما يمسّ بمصالح المواطنين في حاجاتهم، تستدعي من الجميع الخروج من حساباتهم الخاصّة إلى حسابات الوطن وإنسانه، والذي ينبغي أن يكون فوق كل اعتبار.

وفي الإطار الحياتي والمعيشي، عاش اللبنانيون الإحساس أكثر من أي وقت مضى بأزمة الكهرباء، بفعل التوقّف، ولو المحدود، لمولدات الكهرباء، في إطار ضغوط أصحابها على الدولة للتراجع عن قراراتها.

إنَّ ما جرى يستدعي الحلّ، حتى لا يتكرّر ولا تتأثَّر به مصالح المواطنين، والحلّ الجذري يكون بالإسراع في معالجة أزمة الكهرباء، حتى لا يكون اللبنانيون تحت سيطرة من يستغلّ حاجاتهم ويفرض شروطه عليهم.

ولكن إلى أن يحين ذلك، لا بدَّ من أن تتابع الدولة مسؤوليَّتها بحماية المواطنين من جشع بعض أصحاب المولدات، وفي الوقت نفسه أن تتابع الحوار للنظر في هواجسهم، فلا تكتفي بالحلول الأمنيّة التي قد تؤدي إلى نتائج معاكسة.

ونصل إلى إيران، الَّتي تواجه هذه الأيام رزمة جديدة من العقوبات الظالمة، والتي تفردت بها أميركا من بين كلّ دول العالم، والحجة هي عدم تطبيق إيران لما ورد من بنود الاتفاق النوويّ الّذي تم برعاية الأمم المتحدة ومجموعة الخمسة زائد واحد، في الوقت الذي أقرّت كلّ هذه الدّول، باستثناء الإدارة الأميركيّة، بأنَّ إيران التزمت ولا تزال تلتزم بكل شروط هذا الاتفاق.

إنّنا نتطلّع إلى جميع الدول المؤثرة في العالم، وخصوصاً تلك التي شاركت في الاتفاق النووي، والَّتي لا تزال تجزم بعدم مخالفة إيران لهذا الاتفاق، أن تكون لها كلمة أقوى، وألا تكتفي بالمواقف المائعة، وأن تعمل لرفض هذا التّصعيد الّذي يطاول الجميع ويهدّد السّلام العالمي، ولفكّ هذا الحصار الذي يلحق أضراراً كبيرة بمعيشة الشعب الإيراني.

وأخيراً، نتوقّف عند الحكم بالسّجن المؤبّد لسماحة الشيخ علي السلمان (رئيس حركة الوفاق البحرينية) ورفاقه؛ هذا الحكم الذي تعرف السلطات البحرينية قبل غيرها بأنه لا يحمل أية صدقية في حيثياته وتبريراته ضد شخصية اتسمت بالاعتدال والاتزان والحرص الكبير على الولاء لوطنها ومصالحه.

إنَّنا نجدّد دعوة السّلطات البحرينيّة إلى التراجع عن هذا القرار، والعودة إلى طاولة الحوار مع الشيخ علي السّلمان ورفاقه، ومع كل فئات الشّعب البحرينيّ المسالم، التي لم تطالب بأكثر من الحد الأدنى من حقوقها.. آملين بطيّ صفحة هذه المرحلة من التصعيد، والعودة إلى الحوار الجدي الذي يُنهي مأساة البحرينيين، ويعيد الاستقرار والسّلام إلى ربوع بلدهم