ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصانا به الله سبحانه وتعالى عندما قال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} صدق الله العظيم.

وحتى نبلغ التّقوى، لا بدَّ من أن يكون حبّنا لله فوق كلِّ حب، وطاعتنا له فوق كلّ طاعة، ورضاه فوق كل رضا، وسخطه فوق كلّ سخط.. وأن نكون كما قال الحديث: “قوالون بأمر الله، قوامون على أمر الله، قطعوا محبتهم بمحبة ربهم، ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم، ونظروا إلى الله عز وجل وإلى محبته بقلوبهم، وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه”.

ومتى بلغنا ذلك، فإننا نبلغ خير الدنيا والآخرة، فقد وعد الله تعالى الذين يتقونه بأن يؤيدهم ويسددهم ويفتح لهم الأبواب المغلقة، فقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}، وهم سيحظون بالكرامة عندما يقفون بين يديه، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}.

والبداية من لبنان، الَّذي تجاوز الأسبوع الماضي قطوعاً أمنياً، وإن كانت مفاعيله السياسية وتداعياته لما تنته بعد، فقد ساهم ما جرى في زيادة منسوب التوتر في الساحة السياسية، وزيادة الشرخ بين قوى سياسية كانت منقسمة بالأساس، وتنامي الهواجس والمخاوف والتساؤلات حول خلفية ما جرى، والأهداف التي كان البعض يصبو إليها.

ونحن، وبعيداً عن أسباب ما جرى، ومدى خضوعه للشّكليات التي ينبغي أن تراعى عند أي إجراء قضائي، فقد كنّا نأمل أن يكون القرار مدروساً وأكثر حفظاً للقوى الأمنيّة وللقضاء اللبنانيّ، فمثل هذا القرار لا يؤخذ ببعده الأمنيّ والقضائيّ، بل بالنظر إلى تداعياته على الواقع السياسي.

فنحن لسنا في بلدٍ كبقيَّة البلدان الَّتي تتخذ فيها قرارات قضائية وأمنية، ولسنا في مرحلة سياسية عادية، بل نحن في خضمّ توتّر سياسيّ حادّ في الساحة الداخلية، وما ينعكس عليه من توتر قادم من المحيط، حيث يتداخل القرار الأمنيّ والقضائيّ بشكل كبير مع القرار السياسي، ويكفي دلالة على ذلك مشهد الاصطفاف الّذي حصل بعد هذه الحادثة المؤسفة.

ولذلك، وحرصاً على إبقاء المصداقية الَّتي نريدها للقوى الأمنية ونزاهة القضاء وإبعاده عن الخضوع للمواقع السياسية، ولمعرفة من تسبب بنزيف الدّم في هذه الحادثة، ولإزالة أية هواجس قد أحدثتها، ندعو إلى الإسراع في إجراء تحقيق موضوعي وشفاف يفسّر كلّ ما حدث، ويغلق هذا الملف مع كل تداعياته.

وفي الوقت نفسه، فإنّنا نشدّد مجدداً على ضرورة الالتزام بخطاب سياسيّ هادئ لا يستثير الغرائز والانفعالات، ولا يؤدي إلى فتنة حذّرنا منها قبل هذه الحادثة المؤسفة، منعاً لحصولها، ونحذر منها بعد هذه الحادثة منعاً لتكرارها، فالبلد متوتر أصلاً، ولا يحتاج إلى المتوترين، بل إلى العقلانيين الذي يتحدثون عما يعانيه البلد، بأسلوب يصل إلى العقل ولا ينزل إلى الشارع.

إننا نحتاج إلى أن يكون المنطق هو منطق علي (ع)، عندما قال لأصحابه: “إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكن لو وصفتم حالهم وذكرتم أعمالهم، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر”.

وفي خضمِّ ما جرى، وفي ظلِّ كلّ هذا الاهتزاز الذي تعيشه الساحة الداخلية، يدخل العدوّ الصهيوني على الخطِّ، بزعم اكتشاف نفق على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، وإعلانه عقب ذلك عن عملية سماها “درع الشمال”، واكبها بإثارة جوّ إعلاميّ وسياسيّ صاخب.. ويقدم في ذلك حجّة لا يحق له الحديث عنها، وهي خرق القرار 1701 من قبل المقاومة.. وهذا الخرق، إن تمَّ من خلال نفق كما يزعم، فهو يخرقه كلَّ يوم في الجوّ والبرّ والبحر.

إنَّنا أمام ما جرى، نريد دعوة اللبنانيين إلى مزيد من الوعي، وعدم الخضوع لتهويل العدوّ، في سعيه لإحداث شرخ داخليّ بين اللبنانيين، من خلال عودة الحديث عن المقاومة ومدى الحاجة إليها، بعدما قرَّر اللبنانيون عدم الحديث عن موقع بات ضرورة، لكونه شكَّل ولا يزال ردعاً في مواجهة العدو الصهيوني وغطرسته.. وذلك بإثارة خوفهم ورعبهم، من خلال التصريحات أو الرسائل النصيَّة المتتالية والمدروسة التي تسعى إلى ذلك..

على اللبنانيين أن يفوّتوا هذه الفرصة بوعيهم لمدى قدرات هذا العدو، فهو، وكما يعترف، ليس مؤهلاً للقيام بأي عدوان، وما حدث في غزة أخيراً من اضطراره إلى القبول بتهدئة، ليس إلا مؤشراً على تهيّب هذا العدو من إقدامه على أي عدوان.

ونحن نعتقد أنَّ اللبنانيين أقرب إلى معرفة الحقيقة، لتجاربهم معه، ولكن هذا لا يعني أن ننام على حرير، فهذا العدو، كما بعض زعاماته التي هي في الحكم الآن، عوَّدنا أن يحاول الهروب إلى الأمام ونحو الحرب عندما يرى نفسه في مأزق، أو عندما يحسب أن الظروف السياسية تلائمه عند توفير الدعم الأميركي الكامل والتغطية الدولية المؤاتية، مستفيداً من عناصر التشرذم والانقسام التي تعيشها الساحة العربية والإسلامية، والتي قد تشكل عنصر إغراء إضافيّاً له.. وليس حديث العدو المتواصل عن مصانع الأسلحة في لبنان، أو امتلاك المقاومة تقنية جديدة في عالم الصواريخ، إلا تأكيداً جديداً على عنصر القلق الذي يعيشه واستعداده للمغامرة في بعض الأوقات.

كلّ هذه التطورات وما نتج منها من تحدّيات، يضاف إليها ما وصل إليه البلد من الانحدار على المستوى الاقتصادي والنقدي والمعيشي للبنانيين، حيث لا أفق في ولادة حكومة تقوم بدورها في حفظ البلد من الأخطار، فيما تبقى المواقف على حالها، وكأنَّ البلد بألف خير.. لذلك، رأفة باللبنانيين وبحياتهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم، ندعو كل القوى السياسية إلى الارتقاء إلى مستوى هذه التحديات التي تمس بوجود الوطن ولقمة عيش أبنائه، فلأجل ذلك تهون كل التضحيات.

وأخيراً، إننا وفي ظلِّ المفاوضات الجارية حول المسألة اليمنية في السويد، نأمل أن يؤدي ذلك إلى وقف فوري لهذه الحرب العبثية التي أنهكت الشعب اليمني وتركته فريسة للأمراض والجوع والقتل.

لقد آن الأوان لمسلسل القتل والموت هذا أن ينتهي، ويصل الجميع إلى قناعة أن الحرب لم توصل ولن توصل إلى أية نتيجة إيجابية، وأن لا خيار إلا الحوار، حتى لا يكون اللقاء مجرد محطة فرضتها ظروف سياسية ضاغطة على هذا الفريق أو ذاك من الداخل أو الخارج.