تُرِكت نحو ٤٠ أسرة من الّلاجئين السوريّين طوال أكثر من خمسة أشهر في مرآبٍ ضيّق في بلدة برّ الياس الواقعة في سهل البقاع. بدأت معاناتها الأخيرة لما طُردت من الخيم المنصوبة في المستوطنة العشوائيّة الّتي كانت تقطنها بالقرب من بلدة رياق، حيث أقامت منذ فرارها من الحرب التي اندلعت في سوريا. وبعد أن أمرَ الجيش اللبناني العائلات بالمغادرة قبل سنة ونصف، انتقلت إلى مستوطنةٍ في برّ الياس إلى حين طردها مرّة جديدة بعد مرور سنة. ومنذ ذلك الحين، وهي تنتظر الإذن لنصب خيمٍ جديدة في المنطقة، وقد دفعت ما مجموعه أكثر من أربعة آلاف دولار كبدلات إيجار لقاء الإقامة في مأواها الحالي الرديء. وعلى الرغم من أنّ العائلات قد مُنحت الضوء الأخضر من مسؤولين في المحافظة بالإضافة إلى حصولها على الإذن من الوكالات الأمنيّة المعنيّة، فهي غير قادرة على التصرّف قانونيًّا إلى حين الاستحصال على ترخيص من وزارة الشؤون الاجتماعيّة. ولكن أحدًا لم يبيّن لها كيفيّة الاستحصال على مثل هذه الرخصة وإلى من يجب أن تلجأ، فباتت تتجاذبها نصائح متضاربة وشائعات غير مؤكّدة بشأن هذه الأذون المعلّقة حتّى أجلٍ غير مسمّى.

ولا يُعتبر وضع هذه المجموعة من الّلاجئين في البقاع استثنائيّاً. وتقوم البلديّات كما الأجهزة الأمنيّة بشكلٍ دوريّ بإكراه اللّاجئين في المنطقة على نزع خيمهم، وذلك من دون أيّ مسوّغٍ رسميّ أو مراعاةٍ للأصول في معظم الأحيان. ويضع ذلك الّلاجئين ومنظمات الدعم في أوضاعٍ ضبابيّة، وغير آمنة، ولا يمكن التنبؤ بها. وقد جرت عمليّة الطرد من رياق على سبيل المثال في ربيع ٢٠١٧، لمّا أخرج الجيش الّلبناني بالقوّة نحو ٨٠٠٠ لاجئ سوري يعيشون في مخيمات عشوائية ضمن منطقة يبلغ نصف قطرها ٧كلم حول قاعدة رياق الجوية العسكرية، وهي منشأة تضمّ أكبر مدرج هبوط في منطقة البقاع، وكان لها دور أساسيّ في دعم العمليات العسكرية التي استهدفت المنظمات المسلّحة في المناطق الحدوديّة الّلبنانيّة. وبعد أن تمّ فعليًّا وضع حد للتشريد في وقتٍ سابقٍ من هذه السنة، وبعد صدور تطميناتٍ غير رسميّة عن الأجهزة الأمنيّة بشأن وقف عمليات الطرد، فقد أبلِغ مسؤول المحافظة الّذي ذكرناه آنفًا من قبل مصادر غير رسميّة أنّ عمليات الطرد من المنطقة قد تُستأنف، لأنّ الجيش يسعى إلى إخلاء المنطقة المحيطة برياق. ولازال ما يُقدّر بخمسة عشر ألف شخص حاليًّا معرّضين لخطر الطرد في ما يمكن أن نعتبره عمليّة  تشريد الّلاجئين الأكثر تنسيقًا حتّى يومنا هذا.

واقع الّلاجئين السوريّين في لبنان. الإخلاء والعودة
يضم لبنان الذّي يستضيف أكثر من مليون سوري أجبِروا على الهرب من الحرب الدائرة في بلادهم أكبر عددٍ من الّلاجئين في العالم نسبةً إلى عدد سكّانه. ونتيجةً لتضارب الآراء لدى الأفرقاء السياسيّين حول موضوع الحرب السوريّة وأزمة الّلاجئين، تمثل موقف الحكومة في البداية بالتجاهل ثمّ تحوّل إلى عدم الاتساق والغموض. ولكن تتفق النخبة السياسية في لبنان على أمرٍ واحد وهو أهميّة الحرص على أن وجود الّلاجئين مؤقّت. وقد نجم عن ذلك أمران بالنسبة إلى الّلاجئين: الطرد والعودة.

رفضت الحكومة الّلبنانيّة منح الإذن بإنشاء مخيّماتٍ منظمة للاجئين. ويقطن اللاجئون الأكثر تهميشًا نتيجةً لذلك في ما يُسمّى بـ “المخيّمات العشوائيّة”، التي يزداد تعرّضها لخطر الإخلاء التعسّفيّ. عام ٢٠١٧، أشار الّلاجئون السوريّون، الّذين يعيشون في المستوطنات العشوائيّة كما أولائك الّذين استقرّوا بشكل مستقل في المناطق الحضريّة، أنّ السبب الأكثر شيوعًا الّذي يدفعهم لمغادرة مكان إقامتهم في لبنان يتمثّل بالطرد. وبحسب المفوّضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون الّلاجئين، تمّ طرد ١٣،٧٠٠ لاجئ عام 2017 ولا يزال ٤١،٩٥٦ معرّضين لخطر الطرد. وقد جرت معظم عمليّات الطرد على يد جهاتٍ حكوميّة، مثل البلديّات والأجهزة الأمنيّة، وهي غالبًا ما تذرّعت بالشواغل “الأمنيّة” من دون تحديدها.

ومنذ أن أعلن النظام السوري انتصاره على قوى المعارضة في وقتٍ سابقٍ من هذه السنة، اشتدّ إصرار العديد من السياسيّين الّلبنانيّين والجهات الرسميّة على إمكانيّة إعادة الّلاجئين السوريّين إلى بلادهم. ويتوافق ذلك مع وثيقة السياسة الرسميّة الوحيدة الصادرة عن لبنان بشأن أزمة الّلاجئين السوريّين، وهي ورقة سياسة النزوح السوري إلى لبنان الصادرة في شهر تشرين الأوّل ٢٠١٤، والّتي تدعو إلى تشجيع الّلاجئين على مغادرة لبنان، “بكل السبل المتاحة”. وفي شهر أيّار، قدّم الأمن العام، المسؤول عن تنظيم دخول الّلاجئين وإقامتهم، اقتراحاتٍ ملموسة بشأن عودتهم. ومؤخّرًا، وفي سياق خطة لعودة الّلاجئين تدعمها روسيا وبالتنسيق مع النظام السوريّ، نظّم لبنان عودة عددٍ من السوريّين من خلال مراكز العودة الّتي يديرها الأمن العام، وجرى ذلك أحيانًا بالتنسيق مع حزب الّله.

ويزداد الترابط بين هذين التطوّرين الأخيرين، أي توسيع عمليّات الطرد وتشديد الإصرار على عودة الّلاجئين. وقد استحالت عمليّات الطرد أداةً تُستخدم للتشجيع على عودة الّلاجئين إلى سوريا وتسهيلها. وفي حين أنّ أوامر الإخلاء الخطيّة توجّه السوريّين لمغادرة موقعٍ محدّد، فهي غالبًا ما تُرفق بأوامر شفهيّة لـ”العودة إلى سوريا”. ويجري الضغط على الّلاجئين السوريّبن لمغادرة لبنان من خلال تعريضهم لعمليّات الطرد غير المنتظمة، والمتربّصة بهم أبدًا، ضمن سياقٍ لسياسةٍ أوسع نطاقًا من التهميش المتأصّل الّذي يرمي باللاجئين السوريّين في براثن الفقر المدقع والاستغلال المنهجيّ. على الصعيد الوطني، حرمت سياسات الإقامة التقيديّة الّتي تُطبَّق بشكلٍ تعسّفيّ أكثر من ٧٠% من الّلاجئين السوريّين في لبنان من الإقامة القانونيّة. ويعيق ذلك إلى حدٍّ كبير حركة الّلاجئين ووصولهم إلى الخدمات، وسبل العيش، والعدالة، ويزيد الطين بلّة اعتماد نُهج أمنيّة للحوكمة المحليّة تتمثّل بفرض منع التجوّل، وإقامة حواجز للتفتيش، والمضايقة.

الإخلاء التعسّفيّ و”سياسة عدم اليقين”
تجري عمليّات الطرد مثل تلك الّتي تمّت في رياق خارج الإطار القانونيّ وتتضمّن نشر المعلومات المضلّلة. ويؤدي ذلك إلى تقويض قدرة الّلاجئين على الاعتراض على ترحيلهم أو الاستعداد له بشكلٍ ملائم. ولم تنجم عمليّة الطرد المجزّأة في رياق عن أي إجراءاتٍ أو متطلّباتٍ قانونيّة، واعتمدت فيها الأجهزة الأمنيّة أسلوباً مبهمًا للغاية في التواصل. فهذه الأجهزة، الّتي تلطّت خلف شواغل أمنيّة غامضة، قد أحجمت عن إبلاغ الّلاجئين المعنيّين أو السلطات المحليّة أو المنظمات غير الحكوميّة والوكالات الإنسانيّة الّتي تسعى إلى مساعدة هؤلاء الّلاجئين بعملياتها حسب الأصول. ولم يتمّ تحديد الأطر الزمنيّة والمُعلّمات لهذه العمليّات طوال مدّة تنفيذ الإجراءات المتّخذة، وقد انسحب ذلك أيضًا على خيارات نقل مكان الإقامة ومتطلّباته. وبوجيز العبارة، نقتبس نقلًا عن News Deeply: “إنّ كلّ ما يحيط بعمليّة طرد الّلاجئين من رياق كان مبهمًا منذ البداية، بدءًا من الجهة التي ينطبق عليها الإجراء، مرورًا بالمهلة المتاحة قبل المغادرة، وصولًا إلى الأمر الأهمّ وهو المكان الذّي يفترض بهم الإنتقال إليه”1.

كان من الممكن جدًّا تفادي هذا الخلل. فقد تبيّن من المقابلات الّتي أجريت مع أعضاء فريق الإستجابة لحالات الطوارئ الّذي ساعد الّلاجئين الذين طاولتهم عمليّة الطرد أنّ التضليل قد بدا في بعض الأحيان متعمّدًا لمنع الّلاجئين من مقاومة طردهم. وبالتالي، فالوكالات الحكوميّة القائمة بعمليّات الطرد تتعمّد مفاقمة الهشاشة الّتي من شأنها أن تؤدّي إلى عودة الّلاجئين إلى سوريا، أو أنّها غير مستعدّة لمنع ذلك من الحدوث. وبذلك، تبيّن حالة رياق وإزدياد عدد العمليّات المشابهة لها، الّتي تضطلع بها أيضًا جهات أخرى غير الأجهزة الأمنيّة، مثل البلديّات وأصحاب الأراضي، مدى الإصرار في مجال إدارة الّلاجئين في لبنان على توليد هذه الهشاشة من خلال تعميم الريبة المؤسّسيّة لغرض “تشجيع” الّلاجئين على العودة إلى سوريا.

تشكّل عمليّات التشريد ضغطًا مباشرًا على الّلاجئين لمغادرة لبنان من خلال مفاقمة تهميشهم. ويجري ذلك من خلال إجبارهم على الإستدانة لتمويل نقل إقامتهم، أومن خلال تقويض استراتيجيّات توليد الدخل، وتعطيل التعليم، كما من خلال إضعاف آليّات الحماية غير الرسميّة. وتعرّض هذه العمليّات الّلاجئين أيضًا لحالة تيهٍ دائمة. وتتخذ حالة عدم الأمان والريبة لناحية المأوى طابعًا وجوديًّا إلى حدٍّ يقوّض بشكلٍ وخيم خيارات بقاء الّلاجئين على قيد الحياة في لبنان. وبذلك يتمّ تقديم محفّز ضمنيّ لهم للعودة إلى سوريا. ويصبح بذلك “الطابع الطوعي” لعودة الّلاجئين وهميًا عندما تنتشر حالات الطرد هذه وتصبح عن عمد غير نظاميّة، وتعسّفيّة، وغير خاضعة لأيّ مساءلة، وعندما تزداد القيود التي تمنعهم من نقل سكنهم بعد طردهم.

1. Sewell, A. and C. Alfred. “Evicted Refugees in Lebanon have Nowhere Left To Run.” News Deeply, September 28, 2018.
https://www.newsdeeply.com/refugees/articles/2017/09/28/nowhere-left-to-run-refugee-evictions-in-lebanon-in-shadow-of-return

يستند هذا المقال إلى ورقة سياسة ستصدر قريبًا، تنظر في أسباب طرد المهاجرين والّلاجئين السوريّين من رياق في لبنان عام 2017 كما في خصائص هذه العمليّة ونتائجها، وذلك على ضوء التطوّرات الأخيرة الّتي تشجّع الّلاجئين السوريّين على العودة إلى بلدهم الأصل.