ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به الإمام الجواد (ع) أحد أصحابه، عندما جاء إليه ليحدّثه عن أهمية ما حصل له في أحد الأيام، فقال: “لقد عظمت علينا بركة هذا اليوم”، فقال (ع): “يا أبا هاشم، لقد عظمت بركة الله علينا فيه ـ فلا تنسب البركة إلى اليوم، فإنَّ اليوم لا يملك أن يؤخِّر أو يقدّم، ولكن إذا جاءتك البركات في أيِّ يومٍ وزمان فانسبها إلى الله تعالى ــ الذي لولاه ما كان كل هذا الخير والعطاء، فالله هو يعطي ويمنع ــ فقال له: “فما نقول في اليوم؟”، قال (ع): “تقول فيه خيراً يصيبك”، أي عليك أن تتفاءل، وتفاؤلك ينبع من ثقتك بالله.

ولذلك، نجد أن رسول الله كان يبدأ يومه قائلاً: “اللهم لا يؤتي الخير إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك”.

إننا بحاجة إلى الشعور بحضور الله في حياتنا، أن نشعر بأن لا حضور أقوى من حضوره، ومتى شعرنا بذلك، فسنكون أقوى وأكثر قدرة على مواجهة التحديات.

والبداية من لبنان، الذي لا يزال حديث الفساد هو الشغل الشاغل للبنانيين وخبزهم اليومي فيه، لما لديهم من مخزون عنه، ولما تكشفه وسائل الإعلام والتواصل يومياً عن فضائح فساد في هذه الدائرة أو تلك، في هذا الموقع أو ذاك..

ونحن في هذا المجال، في الوقت الذي نقدّر كلّ الجهود التي انطلقت، ولا سيما تلك التي تتَّسم بالجدية والمصداقية والموضوعية والمتابعة وعدم الكلل، مما يحتاجه اللبنانيون لإعادة الثقة بدولتهم إثر حالة الإحباط التي يعيشونها.. فإننا نبقى نؤكّد، وانطلاقاً من نظرة واقعيّة إلى هذا البلد الّذي سرعان ما تُطيّف فيه الأمور وتمذهب وتُسيّس، فبدلاً أن يؤخذ بعين الاعتبار أهمية ما قيل، ينظر الجميع إلى طائفة أو مذهب أو سياسة من قال، وسرعان ما توضع الحواجز النفسية أمام كلامه.

وقد شهدنا في الأيام الماضية كيف وُوجه فتح بعض الملفات التي يستشم منها الفساد بالإثارة المذهبية والطائفية، وهذا قد نشهده في ملفات أخرى لمن هم من طوائف ومذاهب أخرى.

ولذلك، ومنعاً للدخول في هذا النفق المظلم، ومنعاً لإيقاف عجلة مكافحة الفساد، دعونا وندعو إلى إطلاق مشروع وطني للإصلاح، تشارك فيه كل القوى السياسية، للوصول إلى بناء استراتيجية كاملة لمواجهة الفساد تعمل على إنهاء بؤره، وإلى إصدار تشريعات والقيام بالإجراءات اللازمة لذلك، والعمل على تعزيز صلاحيات مؤسسات الرقابة والتفتيش، وتطهير القضاء من أية شوائب.

لقد آن الأوان لأن تخرج القوى السياسية من إطار الحديث عن ضرورة مواجهة الفساد وتسجيل النقاط وتقاذف الاتهامات حوله، إلى العمل الجاد من أجل استئصال هذه الظاهرة التي أكلت أخضر لبنان ويابسه وأوصلته إلى حافة الانهيار، وهذا ما لا يتم إلا بالتضامن والتكاتف والعمل المشترك ورفع الغطاء عن كل فاسد ومفسد، مهما علا شأنه وكبر موقعه.

في هذا الوقت، يعود إلى الواجهة الخلاف الجاري حول أسلوب التعامل مع ملفّ عودة النازحين، الذي بات يترك تداعياته على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بين من يرى ضرورة التنسيق المباشر مع القيادة السورية للوصول إلى الحلِّ، ومن يرفض هذا التواصل، وهو ما انعكس على تركيبة الوفد اللبناني إلى مؤتمر بروكسل حول هذا الملف، ونخشى أن ينعكس الخلاف فيه على التضامن الحكومي أيضاً.

ونحن أمام ما جرى ويجري، نعيد التأكيد على ما كنا أشرنا إليه سابقاً من ضرورة التعامل مع هذا الملف من باب مصلحة لبنان العليا، لا أية مصلحة أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار البعد الإنساني لقضية النازحين السوريين، وتأمين عودة آمنة لهم، بعيداً عما تريده الدول الكبرى التي تقارب هذا الملف من باب مصالحها ومشاريعها في المنطقة.

وإلى فلسطين، حيث يستمر العدو الصهيوني بممارسة الضّغط على الشّعب الفلسطينيّ، من خلال استهدافه لغزة بحجة إطلاق صواريخ مجهولة المصدر باتجاه كيانه، والضغط على القدس، وفرض قيود على حركة المصلين داخل المسجد الأقصى، والسماح لقطعان المستوطنين بانتهاك حرمته.

إننا نرى فيما جرى ويجري حلقة من الحلقات الهادفة إلى تطويع الشعب الفلسطيني لإرضاخه وفرض أمر واقع عليه، تمهيداً لما بات يُسمى بصفقة القرن، التي يعمل بكل جدية لإخراجها إلى أرض الواقع.

ونحن في الوقت الَّذي نحيّي صمود الشعب الفلسطيني في غزة والقدس، ونحيّي المرابطين في المسجد الأقصى أمام ممارسات الاحتلال، فإننا ندعو الشعوب العربية والإسلامية إلى الخروج عن صمتها، والوقوف في وجه من يهدّد كرامتها ويمتهن مقدّساتها، ونريد للشعب الفلسطيني أن يوحّد صفوفه في مواجهة ما يخطط له، وأن يخرج من انقساماته.

وفي مجال آخر، لا بدَّ من التوقّف عند التقرير الَّذي صدر مؤخراً عن النائب الأول لرئيس البنك الدولي، والذي يشير إلى أنّ التكلفة العامة للحروب والنزاعات المسلحة التي شهدتها الدول العربية منذ العام 2010 بلغت نحو 900 مليار دولار أميركي، لافتاً إلى أن “هذا الرقم شديد التحفظ وكحد أدنى”.

إننا نرى أنَّ هذا الرقم يكفي لبناء اقتصاد العالم العربي كله، بما يدخله في عصرٍ من التطور والرفاهية التي يفتقدها في أكثر بلدانه.

إنَّ ذلك ينبغي أن يكون بمثابة الصرخة المدوية في واقعنا العربي والإسلامي، لوقف هذه الحروب التي تستنزف مقدراته وإمكاناته وتهدم البنيان فيه، مما يجري في أكثر من بلد عربي، ولا سيما اليمن، الَّذي يعيش مأساة هي الأخطر على شعب بكامله.

وفي هذا المجال، فإننا نرحّب بإعلان إيران عن استعدادها لمدِّ يد التعاون، وعلى مختلف المستويات، للبلدان العربية والإسلامية، وفتح صفحة جديدة مع كل الدول الإسلامية التي تشهد توترات، ونرى ضرورة تلقي هذه الدعوات بإيجابية وانفتاح.

وأخيراً، إننا ندين العمل الإجرامي المتمثّل باستهداف المصلّين في مسجديْن في إحدى المدن النيوزيلندية، والذي أدى إلى سقوط عشرات الضحايا، وجاء نتيجة لعمليات التحريض المستمرة ضد المسلمين، وحملات التشويه المتواصلة ضد الإسلام في مختلف البلدان الغربية.

إننا نرى أن المسؤولية تقع على عاتق السلطات النيوزيلندية في مواجهة ظواهر التطرف والعنف العنصري، وإشاعة أجواء التقارب والتواصل مع المسلمين والمهاجرين، وتوفير الحماية للمساجد والمواقع العبادية، ومعاقبة المعتدين، وندعو في الوقت عينه المسلمين إلى عدم القيام بردود فعل انفعالية وعشوائية، والعمل لاحتواء ما حصل، نظراً إلى المصلحة الإسلامية العليا المتصلة بوجود المهاجرين وبالمفاهيم والقيم الإسلامية ومصلحة البلد.