هل تتحكم الجينات بمصيرنا  أم أننا نحن من يتحكم بها؟ هل لنمط حياتنا دور في توجيه كتابنا الوراثي أم أن مصيرنا الصحي قدر محتوم كتبته خريطتنا الجينية؟  وهل نستطيع أن نعيد تشكيل الطريقة التي تترجم بها أجسادنا الشفرة الوراثية، وبالتالي نتجنب الاصابة بالأمراض التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا؟
 قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة التي تشغل بالنا، يجدر بنا في البداية أن نتعرف عن قرب على الجينات (المورثات). فالجينات الوراثية هي مقاطع صغيرة من شريط الدنا مسؤولة عن توارث صفات معينة كلون الشعر والطول،  وتُحمل الجينات على الكروموسومات (الصبغيات) والتي هي عبارة عن شرائط الدنا وقد التفت في نظمٍ بديع  كبكرة الخيط حول بروتينات قاعدية تدعى الهستونات.
تحتوي الخلية الجسدية على 46 كروموسوماً  نصفها من الأب والنصف الآخر من الأم،  وتشتمل الكرموسومات الست وأربعين على كرموسومين محددين للجنس X و Y. ترث الاناث صبغي X من كلا الوالدين فيما يرث الذكر  صبغي X من الام وصبغي Y من الاب. ويضمن لنا هذا النظام المحكم حفظ كمية المادة الوراثية وسير الوراثة من الآباء للأبناء.
دأب العلماء منذ نهاية القرن العشرين على فك رموز الشفرة الوراثية ودراسة الخريطة الجينية للكائن البشري، حتى أصبح بالإمكان تحليل هذه الخريطة للأشخاص والتنبؤ باحتمال اصابتهم بالأمراض المختلفة، مع دراسة امكانية تعديل بعض هذه الجينات عبر المعالجة الجينية. و رغم ثبات النمط الجيني للمورثات، إلا أن جيناتنا أشبه ما تكون بلوحة البيانو التي تتحكم فيها حركات أصابعنا، حيث يمكننا بأفكارنا وغذائنا وأسلوب حياتنا أن نؤثر في لوحة التعبير الجينيّ  و ذلك بتعطيل وتغيير النمط الظاهري للجينات بصورة مكتسبة.
علم ما فوق الجينات (الايبي جينيتيك)
هو علم يربط بين جيناتنا الوراثية والعوامل البيئية الخارجية التي تؤثر عليها، وهو يعبر عن الجزء المتغير والقابل للتعديل.  و يدرس العوامل الخارجية التي تنشط أو تثبط عمل الجينات، وبالتالي تزيد أو تنقص من احتمال الاصابة بالأمراض المختلفة. هذا العلم يبحث التغيرات الوظيفية (وليس التكوينية) التي تحدث للجينات الوراثية والتي لا تتضمّن تغييرا في نوكليوتيدات سلسلة الدنا.
أبحر كاتب الخيال العلمي نيل ستيفنسون عبر أحداث روايته  «سيفن إيفز» نحو المستقبل، وتنبـأ بأن مستقبل البشرية سيكون رهين بعملية فوق جينية، مشيراً إلى ما يمكن أن تسببه  العوامل البيئية الخارجية  كتأثيرات الجوع والصدمات النفسية والتعرض للعوامل المسرطنة و السامة كالتدخين والبلاستيك والكحول والإشعاع. هذه العوامل التي  يمكنها أن تتحكم في عمل جيناتنا وبالتالي بمصير البشرية كلها.
فما الذي يحدد صحتنا و سلوكياتنا ومشاعرنا، هل هي الوراثة أم البيئة؟  سؤال أصبح من الماضي، فاليوم أصبحنا نعرف مدى التداخل والتفاعل بين الوراثة والبيئة وأسلوب الحياة  لإنتاج أنماط السلوك والعاطفة والحالة الصحية.
إن تغييرنا لأنماط حياتنا باستطاعته إحداث تغيير كبير في نشاط جيناتنا. ففي تجارب أجريت على الحيوانات أدى اتباع نظام غذائي غني بالفركتوز إلى تعطيل الذاكرة عند الفئران، بينما اتباع نظام غذائي بديل غني بدهون الاوميغا 3 أدى لاصلاح هذا الأثر الضار للفركتوز. أما عند البشر فمن المعروف أن توقف المرأة الحامل عن تناول الكحول وتناولها لمكملات حمض الفوليك أثناء الحمل بإمكانه وقاية وليدها من تأثير جيناتها السلبي على النمو وتطور الجهاز العصبي للجنين. وفي مرضى بيلة الفينيل كيتون يوريا حيث تتعطل قدرة الجسم على استقلاب الحمض الأميني الفينيل الانين مما قد يؤدي إلي التخلف العقلي، ولكن باتباع نظام غذائي لا يحتوي على هذا الحامض الأميني يمكن للمرضى من العيش بشكل طبيعي.كما أن الامتناع عن التدخين وانقاص الوزن الزائد يعمل على الوقاية من أمراض القلب والسكري وبعض السرطانات، إضافة إلى التأثير الإيجابي للنوم الجيد وممارسة الرياضة على جيناتنا الوراثية.
ويبقى السؤال: هل يمكننا أن نعيد صياغة كتابنا الجيني؟  يبدو أننا على أعتاب ثورة بيولوجية قادمة نستطيع أن نسطر جميعاً صفحاتها بمحض إرادتنا

د.منی كيال استشاري المختبرات

 د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري