زار غبطة البطريرك برثلماوس روما 16 سبتمبر الماضي لاشتراك في مؤتمر جمعية قانون الكنائس الشرقية حيث ألقى خطابًا. ويذكر غبطة البطريرك في خطابه مديره العلمي لأطروحة الدكتوراه الأستاذ ايفان جوجيك قائلاً:

“تحتوى الشرائع القديمة على المبادئ الأساسية التي تحتاج الكنيسة إلى الاعتماد عليها أعمالها التشريعية وناقشنا هذا الموضوع في أطروحة الدكتوراه واكدناه في محاضرتنا في مؤتمر جمعية قانون الكنائس الشرقية. من الضروري أن يستهدف تشريع الكنيسة إلى تطبيق المبادئ المذكورة أعلاه وفقًا لاحتياجات الكنيسة في عصر معين وتطوير هذه المبادئ في شرائع مناسبة.” وتعتبر هذه المبادئ ذات المحتويات اللاهوتية أساساً لفهم الكنيسة الذاتية. وإن هذه المبادئ لديها قوة الحياة فتضم الإمكانيات للتطوير في المستقبل. ويشكل جميع المبادئ التقاليد الديناميكية الكنيسية التي تعتبر تجربة حية لجسم الكنيسة المعبر عن احتياجات لكل عصر.

هذه الكلمات مهمة وتعني أنه لا تتمسك الكنيسة الأم بالشكل والمستعدة للتنمية حفاظاً على روحها. وهذا يعني أن لديها المستقبل.

فنشاهد الآن أن الكنيسة لا تزال تطويرها. أدركت القسطنطينية جوهر السياسة الحقيقية للكنيسة الأرثوذكسية الروسية وبدأت في رفض مطالبها بالأسبقية في العالم الأرثوذكسي. ودافعت القسطنطينية عن المؤمنين المحرومين من التواصل الإفخارستية وحقوقهم في تقرير المصير القضائي والاستقلال عن البطريركية الروسية من خلال وثيقة الاستقلال “توموس” للكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا. قبل كل شيء تم تركيز على مصالح الشخص وليس الحدود الإقليمية والطموحات السياسية. والمثال على هذه السياسة هو منح الرحيم برسالة عتق لرئيس أساقفة في حاريوبوليس يوحنا رينيتو الذي عصى قرار السينودس وفصل نفسه عن مركز الأرثوذكسية ورغب في الانضمام إلى بطريركية موسكو مع أبرشيات التقليد الروسي التابعة له في أوروبا الغربية.

و هو مثال آخر.. وصف في عام 2013 البطريرك برثلماوس العلاقات الجنسية المثلية كذنب وتهديد لمؤسسة الأسرة المقدسة. وفي الوقت الحاضر بعد ست سنوات لا تبدو نتائج البحث عام 2017 نفذوه في الولايات المتحدة مفاجئاً. وقال حوالي 66 في المائة من المسيحيين الأرثوذكس أن المجتمع يجب أن يقبل الشذوذ الجنسي في حين أن 54 في المائة يقبلون الزواج المثليين. وحسب البحث الأخرى الذي أصدره معهد البحوث الدينية العامة (PRRI) عام 2018 والذي أعلن أن 65 في المائة من المسيحيين الأمريكيين يدعمون حقوق الأقليات الجنسية في الزواج.

قد عاد معظم رجال الدين نظرهم في هذه الموضوع واتفقوا على أنه عدم تسامح في العالم المسيحي غير مقبول فيجرين الجهود التثقيفية في هذا الشأن. واقترب جزء منهم من القضية بشكل غير متحيز ومن جهة علمية وفهم أنه يجب تطوير القدرة على الحب وتوجيهها بغض النظر عن الخصائص الفطرية للتعبير عن الحب. علاوة على ذلك فإن هذه الخصائص ليست سببًا لمنع هذا الشخص من التواصل مع الله والقبول في الأسرار المقدسة وخدمة الكنيسة.

هناك حقيقة أخرى تثبت أنه تم التخلي عن حملة ضد التسامح قدّمت جماعة دينية القديس للبطريركية المسكونية عام 2016 جائزة بطريرك أثيناغوراس إلى محافظ نيويورك أندرو كومو وهو مشارك  دائم مسيرات الفخر للمثليين ومدافع عن حقوقهم.

على سبيل المثال يراقب مستشار البطريرك المسكوني رئيس الأساقفة جون كريسافجيس على منشورات عن المثلية الجنسية في الكنيسة الأرثوذكسية في جميع أنحاء العالم ويدعو للحوار المفتوح.

يشارك المؤمنون – ممثلون لمختلف فروع العلوم والمؤرخون والأطباء وعلماء الاجتماع ، فضلاً عن الصحفيين والكتاب والناشطين العموميين في المناقشات بين المؤيدين والمعارضين لتخفيف الموقف تجاه ممثلي مجتمع المثليين ، بالإضافة إلى علماء دين مشهورين مثل متروبوليتان كاليست.

عُقد مؤتمر سنوي منتظم خلف أبواب مغلقة حول الجنس والتوجه الجنسي في الكنيسة الأرثوذكسية في إطار مشروع المجلس البريطاني الذي استمر لمدة ثلاث سنوات “سد الأصوات” 16-19 أغسطس الماضي، في أكسفورد (بريطانيا العظمى).

من المستحيل تجاهل مساهمة النشطاء العاديين مثل المؤسسين المشاركين في مركز الدراسات المسيحية الأرثوذكسية ومحرري الموقع الإلكتروني للأرثوذكسية العامة أريستوتيل بابانيكولاو ودكتور جورج ديماكوبولوس ومحرري المؤسس “الأرثوذكسية في حوار” جاكومو سانفيليبو ورئيس تحرير مجلة
The Wheel Journal كاثرين كيلايديس. ونجدر الإشارة الاعمال مسيحي أرثوذكسي وموسيقي وناشط المثليين من صربيا نيك جوفتشيش-ساسا الذي يكشف النقاب عن التمييز الرهيب والكراهية والعنف ضد مجتمع المثليين في الدول الأرثوذكسية

ومع ذلك لا تتركّز القضية على الأقليات الجنسية والنشطاء فقط. من الواضح أنه تعتبر هذه التعديلات مظهراً لطلب المجتمع الذي يدعمه غبطة البطريرك برثلماوس ويدعو هذا الطلب إلى انتشار القيم الانسانية وتطوير المجتمع المدني والدفاع عن المخلوق. على سبيل المثال مشاركة الأرشمندريت كيريل غوفورون في المؤتمر تؤكد هذا الطلب لأنه يعتبر الاستاذ البارز و هو المعارض للكنيسة الروسية الأرثوذكسية والمؤيد لاستقلال الكنيسة الأوكرانية.

مثال آخر على ذلك هو المشاركة في إنشاء الكنيسة المستقلة في أوكرانيا المطران السابق للكنيسة الروسية الأرثوذكسية أليكساندير درابينكو الذي نشر في موقع الكنيسة الروسية الأرثوذكسية في أوكرانيا عبارات وشعارات لدعم الأقليات الجنسية عندما رأس هيئة تحريره. فيعتبر درابينكو مثلياً نفسه. وهذا يعني أنه تابعت الكنيسة المستقلة الأوكرانية فكرة “صراحة للجميع” والتي أصبحت شعاراً لرئيسها المطران إيبيفاني بعدين في مرحلة توحيدها بدعم البطريركية المسكونية.

ويختلف وقت البداية لهذه الحملة في الكنائس الأرثوذكسية. قرر سينودس أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية الفنلندية التي تضمها البطريركية المسكونية عام 2008 أن مشاركة الموظفين ورجال الدين في حركة المساواة المثلية في الكنيسة المجتمعية لا تهدد التقاليد الأرثوذكسية. وتتبع رئاسة الكنيسة المبدأ “لا تسأل ولا تقل” بالنسبة المؤمنين والموظفين منهم الذين يعيشون في زواج مثلي مسجل. في نفس الوقت ما بدأت الكنيسة الأوكرانية تخفيف مواقعها الا الآن لأنه لا يزال هذا البلاد نقص تأخرها من أوروبا في تطوير المجتمع المدني. ولا يتمكن رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية من الرفض من خطاب الخطيئة وتقسيم العالم إلى الشرق التقليدي والغرب “المتحلل” على الرغم أن يخدم خمسة أساقفة مثليين في الكنيسة الأوكرانية لكن هو ذو الشجاعة للقول أنه يعتبر المثليون أعضاء عاديين للكنيسة ويتمكنون من المشاركة في الأسرار المقدسة في حالة الشعر بالتوبة.

في نفس الوقت أعرب بطريرك موسكو وعموم روسيا كيريل الأول في يونيو 2012 عن استيائه من الكنيسة اللوثرية الفنلندية التي أيدت النقابات من نفس الجنس ووصف في يناير 2013 ساوى مثلية جنسية بإدمان الكحول والمخدرات والبغاء وفي يوليو من ذلك العام دعم فرض حظر على “الدعاية الجنسية المثلية” الموقعة قانونًا من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

هذا وتعود الكنيسة الأرثوذكسية الروسية إلى العصور الوسطى على عكس جارتها الكنيسة المستقلة الأوكرانية. ولا عجب أن وقفت موسكو الشركة الإفخارستية مع البطريركية المسكونية وليس سبب الوقف في الخلافات حول القضية الأوكرانية فقط ولكن في الخلافات حول موقع الرجل. الكنيسة البطريركية المسكونية مفتوحة لرجال والكنيسة الروسية مغلقة. ويؤدي هذا الموقع إلى عزلة موسكو عن مسيحيي العالم كله ويفتح الطريق لتطوير الكنيسة الأرثوذكسية في يدي غبطة البطريرك برثلماوس.

الموافقة مع القسطنطينية هي المرور إلى المستقبل.

إبراهيم المخلوف