ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به أمير المؤمنين (ع) واليه مالك الأشتر عندما ولاه مصر، فقال له: “فالجنود، بإذن الله، حصون الرعية، وزين الولاة، وعزّ الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم قول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، وممن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف، ثم الصق بذوي الأحساب، وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشُعب من العرف، ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما”.

هذه هي الصّفات التي أرادها الإمام عليّ (ع) للجيش، وهذا هو الأسلوب الَّذي أراد للحاكم أن يتعامل به مع الجنود، ليقوموا بدورهم في حفظ الوطن وحمايته ومنع الأعداء من أن يكيدوا له. ومتى حصل ذلك، فسنبني المجتمع القوي القادر على مواجهة التحديات، وما أكثرها!

والبداية من لبنان، الَّذي تستمر فيه معاناة اللبنانيين على الصّعيد الاقتصاديّ، مع ما يتركه ذلك من آثار كارثيّة على حياتهم ومتطلبات عيشهم الكريم، من دون أن تلوح في الأفق بوادر خروجهم من هذا النفق المظلم سوى وعود يراهن عليها من الخارج، والتي أصبح من الواضح بعد الكلام المكرّر أنّ الخطوات الإصلاحية المطلوبة من الدول المساعدة للبنان لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب. وقد عبَّر عن ذلك أحد المسؤولين الغربيين، في إشارةٍ إلى أسلوب تعامل الدولة مع الواقع الاقتصادي في لبنان.

إنّ هذا الواقع كواقع المريض الّذي يحتضر، ويبدو أن كلّ ما تقوم به الدولة اللبنانية هو العمل على تغطية شحوب وجهه ببعض المساحيق.

في هذا الوقت، بدأ النقاش في مجلس الوزراء حول موازنة العام 2020. وهنا لا بدّ من التنويه بتقديم الموازنة، ولأوَّل مرة منذ سنوات طويلة، قبل وقت صرفها، وسط مخاوف اللبنانيين من أن لا تؤدي هذه الموازنة إلى نقلة نوعية في الوضع المالي والاقتصادي، إن بقيت العقلية التي حكمت موازنة السنة الجارية تحكم موازنة العام القادم، وما لم تكن هناك إرادة سياسيّة صلبة ومعالجة جادة وحقيقية للأسباب الّتي أدت إلى وصول البلد إلى ما وصل إليه، حيث بات على شفير الانهيار، كما يتحدَّث عن ذلك الكثيرون، وقد أصبحت هذه الأسباب واضحة، ولا تحتاج إلى مزيد من البحث، بعد أن كثر الكلام حولها من الخبراء الاقتصاديين أو حتى من النواب أثناء مناقشة موازنة العام 2019، والتي أشير إليها في اجتماع بعبدا أخيراً.

ويبقى لنا، وفي ظلِّ البحث الجاري حول الموازنة، أن نجدّد موقفنا بالتحذير من تحميل الطبقات الشعبية عبء ما أفسدته سياسات المسؤولين وممارساتهم لحساب استمرار الفساد، ومصالح الرساميل الكبرى، ومواصلة التوظيف العشوائي، وعدم مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، أو القيام بإصلاحات جدية في قطاعي الكهرباء والاتصالات، وكذلك على صعيد الصناعة ودعم القطاعات الصناعية التي تفتقر إلى أي دعم حقيقي من الدولة، كما لا بدّ من العمل لتطوير الدور الرقابي على أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتحصيل حقوق الدولة في الأملاك البحريّة وغيرها.

إننا لا زلنا نرى بعض الأمل ببعض النواب والوزراء، وبأصوات نعتقد أنها لا تزال تحمل هم الوطن والمواطن، وتعمل بكلِّ إمكاناتها لإخراج هذا البلد من عقلية المحاصصة إلى عقلية بناء الدولة، لإبقائه قادراً على مواجهة التحديات، وما أكثرها!

ونتوقَّف عند الإضراب التحذيري لأصحاب المحطات، لندعو الدولة إلى تحمل مسؤولياتها تجاه هذا المرفق الحيوي الذي يمسّ احتياجات المواطنين، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى توقف العمل فيه.

وقد أصبح واضحاً معاناة هذا القطاع الّذي يتعامل بالعملة الوطنية، فيما المطلوب أن يشتري من الشركات بالعملة الأجنبية، وبالدولار الأميركيّ، في وقت لا تتوافر هذه العملة لأسباب لم تعد خافية على أحد.

إنّ الدولة مسؤولة عن حماية هذا القطاع، وعن القطاعات الصناعية والقطاعات الأخرى، كالقمح والدواء، حفظاً لها، ولعدم الوصول إلى حائط مسدود قد تضطر معه إلى إيقاف خدماتها، والذي نعرف جميعاً آثاره السلبيّة في الوطن كلّه.

وإلى ملفّ العمالة مع العدوّ الإسرائيليّ، حيث نرى أهمية الخطوات التي أقدم عليها القضاء بتوقيف العميل الفاخوري، وعدم الخضوع لأي ضغوط وتدخلات داخلية أو خارجية أو لحسابات طائفية، حفظاً لحقوق من عانوا طغيان هؤلاء العملاء، ولعدم استسهال العمالة مع عدوّ لا يزال يعتدي على البلد في برّه وبحره وجوّه.

ونتوقّف عند الملف اليمني، وما حدث من استهداف لمرفق حيوي في المملكة العربية السعودية، وهو استهداف منشآت “أرامكو”. إننا في الوقت الذي أعربنا ونعرب دوماً عن ألمنا وحزننا لكلّ استهداف يطال أي بلد عربي وإسلاميّ، لأنه خسارة لشعوب هذه المنطقة واقتصادها، نرى أنّ المعالجة تكمن بإزالة الأسباب التي أدت إلى ذلك. ونحن نجدّد دعوتنا لإطفاء كل بؤر التوتر والتصعيد في المنطقة، وخصوصاً الأزمة اليمنية، والتي كنا قد حذرنا من تداعياتها على دول الجوار، بعد أن تحوَّلت إلى حرب عبثية أكلت الأخضر واليابس، وتسبَّبت بمآسٍ كبيرة للشعب اليمني، والحلّ هو أن تتوقّف هذه الحرب، وأن يعمل المعنيون لذلك بكلّ طاقاتهم، قبل أن تتوسّع تأثيراتها السلبية والخطيرة.

لقد أثبتت التَّجارب أنَّ حماية المنطقة، وخصوصاً منطقة الخليج، لا تتمّ من خلال الرهان على حماية دوليَّة، بل من خلال التفاهم والتوافق بين دول المنطقة نفسها، وهو أمر ممكن، وهذا ما ندعو إلى المسارعة إليه، عبر فتح أبواب الحوار المباشر بدلاً من إغلاقه ومن إبقاء مسارات الابتزاز مفتوحة لمصلحة الدول الكبرى لكي تتحكّم بالمشهد العام، وتفسح في المجال للفتن لكي تتحرك في الواقع الإسلامي كلّه تحت عناوين مذهبية، أو تحت عنوان الصراع الفارسي – العربي، وليتم سحب عنوان الصراع مع العدو الإسرائيلي، وفي ذلك خطورة كبيرة، فضلاً عن تزييف الحقائق والتاريخ.