تطرّقت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد في مداخلة إذاعية على الهواء إلى نقاط عدّة تدخل في صلب العمل الإعلامي ويجدر التوقّف عندها بتمعّن.

يهمّ المؤسسات والمنظمات الموقّعة أدناه أن تضيء في هذا الإطار على أمور أساسية ومفصلية، تطال حياة الإعلاميّين وجوهر عملهم، ركّزت عليها الوزيرة، ولا يمكن المرور عليها مرور الكرام.

لقد استحضرت الوزيرة عبد الصمد في كلامها “المعزوفة” المعروفة التي أصبحت شمّاعة في عالم السلطة بشكل عام عند التطرّق إلى مسألة محاسبة الصحافيّين والإعلاميّين، ألا وهي “الإساءة إلى الأمن القومي والمسّ بالكرامات”. فشدّدت على المحافظة على حقوق الإعلامي من خلال شقين: “الأول ضمان ممارسته لعمله بحرية مع الأخذ في الاعتبار عدم التسبّب بالإساءة إلى الأمن القومي أو المسّ بالكرامات، والثاني المالي بتقديم الحوافز له وللوسائل الإعلامية للنهوض بالعمل”. كلام تريده الوزيرة واضحاً وصريحاً، ولكن من الذي يُحدّد إطار العبارات “المطّاطية” عن الأمن القومي المنشود والمقصود، وضمن أي اعتبارات؟ فهل كشْف تجاوزات مسؤول رفيع وارتكابات أحزاب قابعة في السلطة مثلاً يندرج تحت خانة المس بالكرامات؟ وهل يمكن شرح سبب ملاحقة صحافيّين وناشطين وكتّاب وفنّانين وغيرهم من المواطنين بهذه التهمة انتقائياً وكيدياً، أمام الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية “غير المختصة”، بسبب تغريدة، وتعرّضهم للاستدعاء والتحقيق والملاحقة والتوقيف، حتى أن بعضهم اعتُقل أياماً وأسابيع وواجه شتّى أنواع القمع والترهيب وحتى الضرب والتعذيب، فيما الأمن القومي المذكور لم يهتزّ؟ كما أن تهم الإساءة إلى الكرامات تحت ستار القدح والذم والتشهير كان معظمها يعالج وفقاً لتقلبات ميزان القوى السياسية.

إنها سياسة متّبعة تهدف أوّلاً وأخيراً إلى الترهيب والإخضاع وقمع الحرّيات بطرق وأساليب مختلفة.

أما في شأن الحوافز والتسهيلات، أفلم يصل إلى مسامع الوزيرة أن مئات العاملين في حقل الصحافة والإعلام قد صُرفوا تعسّفياً من مؤسساتهم التي أقفل بعضها وتعثّر البعض الآخر، وما زال معظمهم حتى اليوم ينتظرون دفع مستحقاتهم من أرباب عملهم ويتظاهرون على بُعد أمتار قليلة من مقر وزارة الإعلام ومكتب الوزيرة، بعدما بُحّت حناجرهم وهم يطالبون بحقوقهم. فأين الوزارة والوزيرة من كل ما يجري؟

“الإعلام العام يجب ألاّ يكون تابعاً لأي وصاية سياسية بل يجب أن يكون حرّاً ضمن ضوابط معينة، وغير موجّه أو تابع للدولة، إنما لخدمة المواطن. من هنا ضرورة وجود جهاز للرقابة على الإعلام العام والخاص أيضاً وجهاز تنظيمي للقطاع لديه سلطات تنفيذية وتقريرية”، تقول الوزيرة. وهو كلام يحمل الشيء ونقيضه في آن. فكيف يكون الإعلام حرّاً وغير موجّه مع وجود جهاز رقابة مصلت على رقبته وفوق رأسه؟ وكيف لجهاز تنظيمي أن يعطى سلطات تنفيذية وتقريرية في غياب ما يضمن مهنيته واستقلاليته؟ هل هي “زلّة لسان” ارتجالية؟ نشك في ذلك، بل هي عيّنة صغيرة ممّا يُحضّر لعالم الإعلام في الخفاء، لأن الوزيرة خلصت إلى أنه “من الضروري أن يكون للإعلامي نقابة تحميه، ونحن بصدد النظر في مشروع القانون المقدّم سابقاً حول تعديل شروط الانتساب إلى النقابة لتشمل جميع الإعلاميّين”. كما أن حديث الوزيرة عن “تراخيص مسبقة” يشكل رقابة مسبقة على حرية التعبير تتعارض مع جوهر الدستور اللبناني، وتشكّل انقلاباً على حقّ مكتسب تميّز به لبنان عن الدول المجاورة.

و”صودف” وجود الوزيرة عبد الصمد ظهر اليوم نفسه في نقابة محرّري الصحافة، فهل سألت عن المعايير التي اتّبعتها النقابة وطبّقتها في ضم مئتي منتسب جديد إليها منذ أيام، في حين أن المئات من الصحافيّين لا يجدون سبيلاً للانتساب منذ سنين طويلة إضافة إلى المئات من الذين يزاولون المهنة وكذلك الخرّيجين والذين يحق لهم الانتساب إلى نقابتهم، وينتظرون أمام الباب. فهل ما يحصل انتساب أم استنساب؟

وللمصادفة أيضاً، هل سألت الوزيرة عبد الصمد رئيس المجلس الوطني للإعلام عبد الهادي محفوظ عن المعايير التي طبّقها في تعيين لجنة مؤقتة للمواقع الإلكترونية بغية تدجينها؟ وبأي حق وفي ظل أي قانون ومن أعطاه الصلاحيات للقيام بذلك، وهل سألته عن موعد انتهاء ولاية مجلسه؟ 

وهل قرأت الوزيرة اقتراح قانون الإعلام الذي تناقشه لجنة الإدارة والعدل، بصيغته الأولى، قبل أن تدخل إليه تعديلات تشوّه ضمانات الحرية التي كانت واردة فيه، وتقوّض تحرير القطاع من براثن التسييس والامتيازات الزبائنية؟

استناداً إلى ذلك كلّه، تؤكد المؤسسات والمنظمات الموقّعة أن الحديث عن تعديلات قانونية وإجراءات تهدف إلى تعزيز سلطة نقابات ومجالس فاقدة للاستقلالية وللصلاحية المهنية، تُحضّر في الكواليس لفرضها خلسة كأمر واقع في ظل كل ما يجري، لا ينم سوى عن إرادة الاستمرار في قضم مساحة الحرية المتقلّصة في لبنان، ويهدف إلى إحكام القبضة الحديدية على الإعلام ووضع اليد عليه بكل فروعه، فبعد المكتوب منه والمرئي والمسموع، أتى دور الإلكتروني.

وبالتالي، في زمن يدفع فيه اللبنانيون أثماناً باهظة، على المستويين الفردي والوطني، ناتجة عن فساد المسؤولين وسوء إدارتهم للبلاد، تقتضي مسيرة إنقاذ الوطن مزيداً من الشفافية بدل الرقابة، ومزيداً من الحريات بدل القمع. لذلك أصبح لزاماً على العاملين في حقل الإعلام التنبّه إلى ما يُحضّر لهم، والتكاتف وعدم الانجرار خلف أي محاولات لشرذمتهم، لكي يكونوا رأس الحربة في الدفاع عن الحريات، والعمل بكل جدّية وتضامن من أجل الوصول إلى قانون إعلام جديد على مستوى طموحاتهم وتطلّعاتهم، يحاكي التطوّر التقني والمفاهيمي، ويعتمد على خبرة ذوي الاختصاص، يكون سقفه الحرية ويحفظ حقوق الإعلاميّين. فحرية الرأي والتعبير مقدّسة ومصانة في الدستور اللبناني والمعاهدات الدولية الملزمة للبنان، وطن الحرية والتعددية.  

لا تزال الفرصة سانحة للوزيرة عبد الصمد العودة عن تصريحاتها الخطيرة، ولمجلس النواب إقرار اقتراح قانون الإعلام بصيغة متفق عليها مع الجسم الإعلامي المستقل ومع المؤسسات والهيئات المدافعة عن حرية التعبير وتطوير الإعلام. أما تفويت هذه الفرصة، فلن نقرأه سوى رسالة تؤكد المنحى القمعي والتعسّفي في إدارة البلاد، لتصل فيها الحريات إلى الحضيض الذي آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.