ألقى مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان خطبة عيد الفطر السعيد في جامع خاتم الأنبياء والمرسلين محمد الأمين صلى الله عليه وسلم في وسط بيروت وأم المصلين بحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور حسان دياب والنائبين فؤاد مخزومي وعدنان طرابلسي وأمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية الشيخ أمين الكردي وقائد شرطة بيروت العميد محمد الأيوبي وعلماء وأعضاء من المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى وحشد من الشخصيات السياسية والاجتماعية والنقابية والعسكرية.

وقال المفتي دريان في خطبة عيد الفطر: اللهُ أكبر – اللهُ أكبر – اللهُ أكبر .

اللهُ أكبر – اللهُ أكبر – اللهُ أكبر .

اللهُ أكبر – اللهُ أكبر – اللهُ أكبر .

اللهُ أكبرُ كبيراً ، والحمدُ للهِ كثيراً ، وسبحانَ اللهِ وبحمدِه بُكرةً وأَصِيلاً.

الحمدُ للهِ الذي وفَّقَ العامِلينَ لطَاعَتِه ، فوَجَدُوا أعمَالهَم وسعْيَهم مَشْكوراً ، وَحَقَقَ آمالَ الآمِلينَ برحمتِهِ ، فَمَنَحَهُم عَطَاءً مَوْفُوراً ، سُبْحَانَه ، هُوَ الوَاحِدُ الذي مَنْ قَصَدَ غَيْرَهُ بالعبادةِ ضَلّ ، هُوَ العَزِيزُ الذي مَن اعتَزَّ بغيرِهِ ذَلّ ، سُبْحانَه  ، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ .

أحمَدُه تَعَالى على نِعَمِهِ الجِسَام ، وأشْكُرُهُ أَنْ مَنَّ عَلَيْنَا بإدْرَاكِ الصيامِ والقِيام.

وأشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا الله ، وَحْدَه لا شَريكَ لَه ، المتَفَرِّدُ بالكَمَالِ والتَمَام .

وأشْهَدُ أَنَّ محمداً عبْدُه ورسولُه ، بَعَثَهُ رَحمةً للعالمين ، وقُدْوةً للسالكين ، وحُجَّةً على الخَلائقِ أجْمَعِين ، صلَّى اللهُ عَلَيْه ، وعَلى آلِه وأصحابِه ، وسلّمَ تَسْليما ًكثيراً .

أمَّا بَعَد :

أيُّهَا المُسلمون :

نَقِفُ اليَوْمَ في هذِه الصبيحةِ المباركة ، مع نهايةِ شَهرِ رمضان المبارك ، وبِدايَةِ أَيَّامِ الفِطر ، ونَحنُ شَديدو الفرحةِ والسعادةِ والاعتِزازِ بِفريضةِ الصَومِ التي أَدَّيْنَا ، امْتِثَالاً للأَمْرِ الإلهي في قولهِ تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، وقَولِهِ تَعَالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، ونَحنُ نَعرِفُ الأجرَ الكبيرَ لِمَنْ صَامَ رَمضانَ ، وقامَ لَيالِيَهُ ، كَما أنَّنا نعرِفُ بِالتَجرِبة ،  أَنَّ شهرَ رمضانَ وعِباداتِه وأَخلاقَهُ ، تُصبِحُ مِيزاناً ومِقْياساً للإنسانِ الصالحِ على مدى العَامِ كُلِّه، في الانضِباطِ والأخلاقياتِ ، وفي حفظِ اليَدِ واللِّسَان ، وفي التَفكيرِ والتَدبيرِ لِلجَميع ، وفي الإحساسِ بِمَسؤولِياتِ الإيمان ، وأَعباءِ التَكليفِ بِالعِبادَةِ والعَمَلِ الصالِح ، مَهما كانتِ الصُعُوباتُ والمَشَقَّات .

لقَدْ جَمَعَ اللهُ ورسولُه فَضائلَ شهرِ رمضان ، في عِدَّةِ آياتٍ وأحاديث ، فقالَ عزَّ وجلّ : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ . وقَالَ تَعَالى : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.  وبحسَبِ سُنَّةِ رسولِ اللهِ صلواتُ اللهِ وسَلامُه عليه ، فإنَّ بَدْءَ إنزالِ القرآنِ الكريم ، كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِنْ شهرِ رمضانَ المبارك ، وفي العَشْرِ الأواخِرِ ليلةُ القدْرِ التي يَحرِصُ المسلمون بالتهَجُّدِ والقيامِ على شهودِها . وإلى نزولِ القرآنِ في العشْرِ الأواخِرِ مِنْ رمضان ، وهذه الواقعةُ هي رأسُ فضائلِ الشهرِ الكريم. ولقد جاء الحديثُ القُدْسِيُّ مؤكداً على أنَّ أجرَ الصائمِ في شهرِ رمضان ، لا حدودَ لَه ، فهو للهِ الذي يَجْزِي بِه ، : (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ ، إِلاَّ الصِّيَامَ ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ). وفي ذلك ما فيه مِنْ فضيلةِ تقديمِ العبادةِ بالصومِ والصلاةِ في رمضان ، على غيرِهَا مِنَ الشُّهورِ والأوقات.

أيُّهَا المُسلمون :

اِستَقْبَلْنَا رَمَضَانَ بِأداءِ العِبادَةِ في شَهْرِ الصَّوم ، وَشَهرِ القرآن. وها نحن نُوَدِّعُ الشَّهرَ الكريمَ المُبارَك، بِالشُّكْرِ للهِ سُبحانَهُ على ما أَوْلانَا مِنْ نِعْمَةِ أداءِ الفَريضة، وَالصَّبْرِ على البَلاء ، ورَجاءِ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرة.

وقدْ ذَكَرْتُ لكُمْ أيُّها الإخوةُ المؤمنونَ في مَطْلَعِ رَمَضان، أنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالى نَبَّهَنَا في آخِرِ آياتِ الصَّومِ في سُورةِ البقرة ، إلى ثلاثةِ أُمورٍ لا يَنبَغِي أنْ يَغْفُلَ عنها مُؤمِن، حيثُ قَالَ تَعَالى : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

الأمرُ الأوَّل:  أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى قَريبٌ قَريبٌ يُجيب دعوةَ مَنْ يَدْعوه.

والأمرُ الثَّاني:  أنَّهُ مُجيبُ الدُّعاءِ في المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ لِعِبادِهِ المؤمنين.

والأمرُ الثَّالث:  أنَّ سبيلَ الاسْتِجابَةِ بِالإيمانِ وَالعِبَادة ، هوَ سَبيلُ الرُّشْد ، أي سَبيلُ العَقْلِ وَالتَّدَبُّر ، وَالعَزيمَةِ والرَّجاءِ لِلمُؤمنينَ الصَّادقين . فالعقلُ والإيمانُ، والرُّشْدُ والإيمان ، ورَجَاءُ رحْمَةِ اللهِ تعالى ، هي السُّبُلُ التي لا نُغَادِرُها ، مَهْمَا تَكَاثَرَتِ الصِّعاب ، وضَاقَتِ الأرضُ بِمَا رَحُبَت.

أيُّها المسلِمُون، أيُّها اللبنانِيُّون :

لقد كانَ شَهْرُ رَمَضانَ هذا العَام ، شَديدَ الوَطْأَةِ على كُلِّ النَّاس . هوَ شَديدُ الوَطْأَةِ بِسَبَبِ الوَباء ، وَشَديدُ الوَطْأَةِ بِالانْهِيَارِ الاقْتِصَادِيِّ وَالمَاليّ ، وشديدُ الوَطْأَةِ بالظروفِ الاجتماعيةِ والمَعِيشِيَّةِ والحَيَاتِيّةِ الصَّعْبَة .  

فَالوَبَاءُ بَلاءٌ عالَمِيّ ، مَا نَجَتْ مِنهُ دَولةٌ مِنَ الدُّوَل ، ولا شَعْبٌ مِنَ الشُّعُوب . وقد تَعَرَّضَ لبنانُ لِمَا تَعَرَّضَ لهُ الآخَرون ، وَما نَزَالُ نحن وَغيرُنا تَحتَ وَطْأَةِ الجَائحَة ، والأخذِ والشَّدِّ وَالجَذْب ، والمُراوَحَةِ بينَ الأملِ واليأْس. وَالمَسْاَلةُ هنا ليسَتْ مَسْأَلَةَ إدانةٍ أَوِ امْتِدَاح، بَلِ الدَّرْسُ الأبْرَزُ فِي الوَطَنِيَّةِ والكَفَاءَة هَوَ أنَّ مُؤَسَّسَاتِنَا الصِّحِّيَّة ، كانَ لديهَا المُبادَرَةُ الضَّرورِيَّة ، وصَمَدَتِ المُسْتَشْفَياتِ الحكوميَّةِ والخَاصَّة ، وفي طليعَتِها مُسْتَشفَى رفيقِ الحريري ، فتحيةُ تَقْدِيرٍ وامتِنَانٍ للأجهزة الطبية على ما قَامُوا ويَقُومُونَ بِه لمُواجَهةِ تدَاعياتِ كورونا .

أيُّها اللبنانيّون:

إنَّ المُؤَسَّساتِ العامَّةَ التي أَعْمَلَ بها الجَميعُ هَدْماً وَتَخْرِيبَاً ، هي الباقيةُ لِلوَطَنِ وَالمُوَاطِن ، والتي يَنْبَغي إعادَةُ بِنَائِها ، لِصَونِ حياةِ النَّاسِ بدونِ أوهام ، نَعم ، لا يبقى لِلبنانيِّينَ غيرُ دولتِهِم ، وغيرُ مُؤسَّساتِهِمُ العامَّة . فلا يَنبغي أنْ يُسْمَحَ لأحدٍ بِهَدْمِهَا ، أوِ التَّسَبُّبِ في تَصْدِيعِها . فَلْنَلْتَفِتْ إلى الانْهِيارِ المَاليِّ وَالمَصْرِفِيِّ والاقْتِصادِيّ ، الذي حَصَلَ قبلَ الوَباء ، والذي سَيَسْتَمِرُّ بَعدَه . في هذا الصَّدد ، فإنَّ المَسْؤولِيَّاتِ واضِحة .

المَسؤولِيَّةُ الأُولى تَقَعُ على عاتِقِ القُوى السِّياسِيَّة ، ثمَّ المَصْرِفِ المَركَزِيّ ، ثمَّ الجِهازِ المَصْرِفِيّ . إنَّهُ المُثلَّثُ الحاكِمُ ، الذي أَعْمَلَ مَعَاوِلَ الهَدْمِ في ثَرَوَاتِ المُوَاطِنينَ وَحَياتِهِمْ وَمَعِيشَتِهِم . مَنِ المَسْؤولُ عَنْ إفلاسِ الدَّولة ؟ وعَنْ دَمَارِ عَيشِ المُواطِنين ؟ أينَ ذَهَبَتْ كُلُّ هذه المِلياراتُ التي كانَ يَنبغي إنفَاقُها على صَونِ مَصالِحِ المُوَاطِنين ، وعلى إمْدَادِهِمْ بِالكَهْرَباءِ وَالمِياه ، وَمُعَالجَةِ أزْمَةِ النُّفايات ، وَتَحْسِينِ الاتِّصَالات ، وَالنُّهوضِ بِالزِّرَاعَةِ وَالصِّناعَةِ وَالخِدْمَات ؟ ولِمَاذا تَرَاكَمَ دَينٌ عامٌّ بلغَ التِّسْعِينَ مِليارِ دولار ، منها خمسون ملياراً أُهْدِرتْ على الكَهْرَباءِ الدَّائمةِ الانْقِطَاع ؟ ثُمَّ مَنِ المَسْؤولُ عَنِ احْتِجَازِ أموالِ المُودِعِين ، التي يُبَشِّرُنا الذين استَنزَفوها كُلَّ يومٍ ، أنَّها ضاعَتْ إلى غَيرِ رَجْعَة؟

أيُّها اللبنانيّون:

تعملُ الحكومةُ على مُكافَحَةِ الفَساد ، واسْتِعَادَةِ المالِ المَنْهوب ، فهذا عملٌ يُسَجَّلُ لها وتُشكَرُ عليه ، وعلى ما تَقومُ بِهِ مِنْ مَجهودٍ لِصَالِحِ الوَطَنِ والشَّعب، ونَتَمَنَّى لها ولرئيسِها التوفيقَ والنَّجاح ، لِلنُّهُوضِ بِلبنان ، والخُرُوجِ بِهِ مِنْ أَزَمَاتِهِ المُحْدِقة ،  ونُطالِبُ الحكومةَ بالإسراعِ في اتخاذِ الإجراءاتِ الحازٍمة ، ووقفِ نزيفِ انهيارِ العملةِ الوطنية ، وهذا أمرٌ خطير، لأنَّ الناس ضَاقوا ذَرعاً ، فَلا هُم قَادِرون على تأمينِ لُقمةِ عَيشِهِم بِكَرامَة ، ولا هُم قَادرون على الحُصولِ عَلَى مُدَّخَراتِهم متى يشاؤون ، ولا هم مُطمئنون إلى أنَّها مُصانة ، وأنها ستعودُ إليهم ولو بعدَ حين .

دولةَ الرَّئيس :

 أنتَ مؤتَمَنٌ على مَصالِحِ النَّاس ،  وأنتَ مَسؤولٌ عَنْ قضاياهُمْ وَحَلِّ أزَمَاتِهم ، إنَّهُم يعلِقُون أملَهُم عَلَيْك ، فلا تُخَيِّبْ أمَلَهُم ، والأمرُ لا يَحتَمِلُ التَّأْخير ، لأنَّ التأخيرَ ليس في صَالحِ النَّاسِ والوطن ، الذي يُعاني تَرَهُّلاتٍ عديدة . والمُواطنونَ يَعْرِفونَ النَّاهبينَ والمُتَجَاوِزينَ واحِداً وَاحِداً . ولا يُكَافَحُ الفَسَادُ إلا بِالقَضَاء ؟ ونَخْشَى إذا فَسَدَ القَضَاءُ أن تَفْسُدَ الدَّولة ، القضاءُ هو مُضْغَةُ الجَسَد ، التي إذا فَسَدَتْ فسَدَ الجَسَدُ كُلُّه ، وهنا نَسأل : كيفَ سَيَظْهَرُ حُكْمُ القضاءِ المُستَقِلّ ، وكيف يَسُودُ ؟ ولماذا لم تَصْدُرِ التشكيلاتُ القضائيَّةُ التي اقترحَهَا مَجلِسُ القَضَاءِ الأعلى ، وهُوَ صاحِبُ الصَّلاحِيَّةِ الأوَّلُ والأخير ؟

ثُمَّ أينَ قانون العَفْوِ العامِّ الشَّامِل ، الذي كان ينبغي أنْ يَصدُرَ قبلَ سنواتٍ عِدَّة، وَلَمْ يَصْدُرْ حتَّى الآن ، وهذا أمرٌ مُستَهجنٌ ، وتأخيرُ إصدارِ هذا القانون ، يتحمَّلُ مَسؤوليَّتَهُ جميعُ السِّياسِيِّين الذين وَعَدُوا بالإفراجِ عنه ، ولم يَتَحَقَّقْ ذلكَ حتَّى الآن . ماذا نقولُ لِلمَوقوفين ظُلْمَاً ؟ وماذا نقولُ لأهْلِيهِم الذينَ يَعِيشُونَ مَرارةَ سَجْنِ أبنائِهم دُونَ مُحاكَمَتِهِم ، سنتحلَّى بالصَّبر، فكلُّ آتٍ قريب.

أيُّها اللبنانيُّون :

نعيشُ مرحلةً صعبةً ومُقلِقةً مِن تاريخِ لبنان ، الذي عانى حُروبَاً عَبَثية ، ويُعاني اليومَ أزْمَةً سياسيةً واقتصاديةً ومعيشيَّة ، أقسى مِنَ الحروبِ التي مَرَرْنا بها ، هذه الحروبُ المُسْتَجِدَّة ، نَشعُرُ بِدِقَّتِها وخُطُورَتِها ، وكلُّنا مَسؤولونَ ومُؤتَمَنون، ولا يُمكِنُ لأَحَدٍ أن يُعفِيَ نفسَهُ مِنَ المسؤوليةِ أَو الأمَانَة ، ولكنْ لَن نَفقِدَ الأَملَ ، بتَلاقي الإراداتِ الطَّيِّبةِ والنَّوَايا الحَسَنة ، والكُلُّ يُدرِكُ أَنَّ بناءَ الدولةِ ، وحمايةَ الوَطَن ، لا يكونُ إلاَّ باجتماعِ إرادةِ اللبنانيين . فلنَمُدَّ أيْدِيَنَا إلى بَعْضِنَا ، وإلى إخْوانِنَا العرَب ، الحريصين على وطنِنا بأمنِهِ واسْتِقْرارِهِ وازدِهارِه، فنحن منهم وهم مِنَّا ، ولنْ نَتَخلّى عَنْ عُروبَتِنَا التي نعتَزَّ بها ونَفتَخِرْ.

أيُّها اللبنانيّون ،  أيُّها السياسيون :

إنَّ وطنَنا لبنان ، هو أحَوجُ ما يكونُ إلى الكلمةِ الطيبةِ التي تَبْنِي ولا تَهْدِم ، وتَجمَعُ ولا تُفرِّق ، وتُؤَلِّفُ ولا تُشتتِّتْ ، وتوحِّدُ ولا تُقسِّم . علينا أنْ نتعلّمَ مِنْ أخطائِنَا، وأنْ نَعْتبِرَ مما حَصَلَ مَعَنا كي لا يَتَكرَرَ المَشهَد، وتَطولَ المَأْساة .

أيُّهَا المُسلمون ، أيُّها اللبنانيُّون :

نحن لا نَقْبَلُ الإخلالَ بِالدُّسْتُور ، ولا تَهْمِيشَ رِئاسَةِ الحكومة أو المَسَّ بِصلاحِيَّاتِ رَئيسِ الحكومة ، ليسَ لأنَّ في ذلِكَ تَجاهُلاً لِتَرَاتُبِيَّةِ المُؤَسَّسَاتِ الدُّسْتُورِيَّة ، وَحُقوقِ طائفةٍ مِنْ مُكَوِّناتِ لبنانَ الرَّئيسِيَّةِ فقط، بل لِأَنَّ الإخلالَ بِالدُّسْتُور ، يَصْنَعُ أزْمَةً سِيَاسِيَّة ، تَقَعُ في أَصْلِ الانْهِيارِ الكبيرِ الذي يُعَانيهِ لبنان .

لقد كانَ لبنانُ دائماً رَائِداً في مَجَالِ العَيشِ الإسلامِيِّ – المَسِيحِيّ ، ومَجَالِ الحِوَارِ والتَّعَاوُنِ مِنْ أجْلِ السَّلامِ والأمْنِ وَالعَيْشِ الوَاحدِ بَيْنَ أبْنَائِه  .

أيُّهَا المُسلمون ، أيُّها اللبنانيُّون :

إنَّ أزْمَتَنَا الاقتِصادِيَّة ، وأَزْمَتَنَا الوَطَنِيَّة ، لا يَنْبَغِي أنْ تَصْرِفَنَا عَنْ أَداءِ رِسالةِ الخيرِ وَالأمَلِ وَالمُبادَرَة . لقد صُمْنَا رَمَضَانَ بِالإيمانِ وَالأمَل ، والثِّقَةِ بِوَعْدِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ على الطَّاعَات . ونحنُ نَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِه ، أنْ يُؤَمِّنَنَا في بِلادِنا وَأَوطانِنَا ، وأنْ يَحْمِيَ أُسَرَنَا ، وأنْ يَجْعَلَنَا سُبْحَانَهُ وتَعالى ، مِنَ الذينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه.

اللهُمَّ اهْدِنا في مَنْ هدَيت، وَعَافِنَا في مَنْ عَافَيت، وَتَوَلَّنَا في مَنْ تَوَلَّيْت، وَبَارِكْ لنا في مَا أَعْطَيْت، والْطُفْ بِنَا في ما قَضَيْت ، إنَّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عليك ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .

أيها المسلمون :

باركَ اللهُ لكم صومَكم وفِطرَكُم ، وصلاتَكُم وزكاتَكُم وعمَلَكُم ، مِنْ أجلِ الخيرِ والبِرِّ والتقوى ، أسألُ اللهَ سُبحَانَه وَتَعَالى لنا ولكُم ، صِياماً مُتَقَبَّلاً، وَعَمَلاً صَالِحاً، وإفطَاراً مَأجُوراً .

أقولُ قوليَ هذا وأسْتَغْفِرُ ‏اللهَ العظيمَ لي ولَكُمْ ، فيا فَوْزَ المُسْتَغْفِرِينَ استغْفِرُوا اللهَ.

وبعد إلقاء المفتي دريان خطبة عيد الفطر توجه والعديد من الشخصيات إلى ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري حيث كان في استقباله الرئيس سعد الحريري قرأ الفاتحة عن روحه الطاهرة ورفاقه الأبرار.

وكان رئيس مجلس الوزراء الدكتور حسان دياب قد اصطحب مفتي الجمهورية من منزله صباحا إلى مسجد محمد الأمين في موكب رسمي وقدمت ثلة من قوى الأمن الداخلي التشريفات في باحة المسجد للرئيس دياب والمفتي دريان.