أقصرُ طريقٍ إلى إنقاذِ لبنان هو عبرَ رئيسِ الجمهوريّة. فهل الرئيسُ عون يُدرك هذه المسؤوليّةَ؟ (المعرفة)، ويرغبُ بها؟ (الإرادة)، ويَقدِرُ عليها؟ (الوسيلة)، ويُسمحُ له بها؟ (حرّيةُ القرار). سلوكُ أيِّ طريقٍ آخَر مكلِفٌ لأنّه محفوفٌ بأخطارٍ عسكريّةٍ وبتغييراتٍ دستوريّةٍ راديكاليّة. لا تزال الشرعيّةُ القوّةَ المحوريّةَ والمحاوِرةَ في لبنان. رغمَ جميعِ الحروبِ، ظلّت الشرعيّةُ اللبنانيّةُ فوقَ الماء، ولو جُثّةً. وظلّت هي الدواءَ ولو كانت بضُعفِها أو بانحرافِها هي أصلَ الداء.
ما خلا الانهيارَ الاقتصاديَّ الذي يَستحقُّ بحدِّ ذاته عملًا انقاذيًّا، يلوحُ أيضًا خطرٌ عسكريٌّ في المِنطقة العربيّة. يَبتعدُ ويَقتربُ، يغيبُ ويعود، ولا ندري على أيِّ مَدرَجٍ عربيٍّ سيَحُطُّ وأيَّ بلدٍ سيُصيب: أليبيا؟ أسوريا؟ ألبنان؟ أسوريا ولبنان معًا؟ ومن سيقوم به قبلَ الآخر؟ مِصرُ في ليبيا؟ تركيا وإسرائيل في سوريا؟ إسرائيل في لبنان؟ هذه الأجواءُ المحتقِنةُ عُرضةٌ في أيِّ ساعةٍ للانفجارِ أو للحلّ. لكنَّ الحلَّ السياسيَّ يحتاجُ، بعدُ، إلى إسنادٍ عسكريٍّ إضافيٍّ يُزيل من أمامِه الألغامَ الباقية. لا تَتعطّلُ هذه العمليّةُ العسكريّةُ إلّا إذا تراجَعت تركيا في ليبيا، وخَضعت سوريا لشروطِ التسوية وانسحَبت منها القوّاتُ الإيرانيّة، وخَفّضَ حزبُ الله في لبنان عددَ صواريخِه ونوعـيَّـتَها واستفاقَت الشرعيّةُ على سوءِ رِهاناتِها. “قانونُ قيصر” ليس نهايةَ المطافِ بل بدايتُه. فرصةُ حصولِ هذه الإيجابياتِ ممكنةٌ بنسبٍ مختلِفة، لكنَّ أصْعبَها وضعُ حزبِ الله في لبنان.
انتظارُ تحوّلٍ ذاتيٍّ في موقفِ هذا الحزبِ حيالَ سلاحِه كوعدِ الصلاةِ في القدس للسنةِ المقبِلة؛ دونَه سنوات. لذلك لا بدَّ من التوجّهِ نحو رئيسِ الجمهوريّةِ لوقفِ هذا المنحى الانحداريِّ لعهدِه وحكمِه وللبلاد. لم يَعرِف اللبنانيّون على مدى تاريخِهم المئويّ، بما فيه سنواتُ الحروب، هذا الانحلالَ الشامِلَ في كلِّ مفاصلِ حياتِهم الشخصيّةِ والأخلاقيّةِ والمعيشيّةِ والماليّةِ والوطنيّة. قد لا يكون الرئيسُ ميشال عون مسؤولًا عن هذه الحالِ المتراكِمةِ، لكنّه بالتأكيدِ مسؤولٌ عن انفجارِها في عهدِه ومسؤولٌ، تاليًّا، عن إنقاذِنا منها. فعدا سوءِ أداءِ المنظومةِ السياسيّةِ المواليةِ والمعارِضةِ، لبنانُ في هذا المأزِق بسببِ خِياراتِ العهدِ وتحالفاتِه، تلك الخِياراتِ التي دعاه البطريركُ المارونيُّ مار بشارة الراعي إلى “تصويبِها وتصحيحِ المسارِ وترشيدِ الحوكمةِ وإطلاقِ الإصلاحات” (عظة الأحد الماضي).
ما رأيتُ شعبَ لبنان ذليلًا كمثلِ ما هو اليوم. ظَلَلنا نُردِّدُ: “هيهاتِ منّا الِذلَّة” حتى وَصَلْنا إليها عَدْوًا. ما أرهبَها أيامًا صار فيها اللبنانيُّ يَهرب من فِكره وضميرهِ، ويَستحي من أحلامِه ويأنَسُ إلى اللامبالاة. في الحرب الأغنياءُ ظلّوا أغنياءَ، والفقراءُ أصبحوا أغنياءَ، فيما الجميعُ اليومَ تساووا في الفقر. أيُعقَلُ أن تُغنيَهم الأحزابُ والميليشياتُ وتُفقِرَهم الدولةُ الشرعية؟ مَن يُخطِّطُ للعودةِ إلى هاتيك الأيّام؟
كُثرٌ رؤساءُ الجمهوريّةِ السابقون الّذين أعادوا النظرَ في سياساتِهم وخِياراتِهم وتحالفاتِهم في ضوءِ التحوّلاتِ الداخليّةِ والإقليميّةِ والدوليّةِ وأنقذوا لبنان من أزماتٍ سياسيّةٍ، من ذوبانٍ في كياناتٍ أخرى، من تحالفاتٍ هجينةٍ، ومن حروبٍ وفِتن: دَخل كميل شمعون إلى الرئاسةِ “فتى العروبةِ الأغرّ” وخَرج منها “شيخَ المارونيّةِ الأغرّ” بمقاومتِه الوِحدةَ السوريّةِ/المِصريّة. أتى فؤاد شهاب بالرئيس شارل حلو ليُمدِّدَ عُمرَ الشِهابيّة، فخَرج حلو من عباءةِ العسكرِ وعَطَفَ على “الحلفِ الثلاثيّ” ضِدَّ الشِهابيّة ليَحِدَّ من تأثيرِ عبد الناصر. انتُخِب الياس سركيس برعايةٍ سوريّةٍ، فانتهى بتَبنّي بشير الجميل ليُحرِّرَ لبنان من الاحتلالين الفِلسطينيِّ والسوريّ. انتُخِب بشير الجميل من موقعه قائدَ المقاومةِ المسيحيّة فنشرَ السلامَ وتَشبَّثَ بوِحدةِ لبنان وواجَه بيغن وشارون في اجتماعِ نهاريا ولـمّـا يَتسلمِ الحكمَ بعد. خَلَفه أمين الجميل تحتَ سقفِ المعادلةِ الأميركيّة/الإسرائيليّةِ وبإجماعٍ وطنيّ، فانقلَب على الإسرائيليّين واتّكلَ على الأميركيّين. جاء ميشال سليمان إلى الرئاسة إثرَ “تسويةِ الدوحة” سنةَ 2008، فعدّل في عَلاقاتِه مع 8 آذار فاغْتاظ منه حزبُ الله. وإذا خَرجْنا من لبنان نَجد أنَّ الجنرالَ شارل ديغول تسلّمَ الرئاسةَ الفرنسيّةَ سنة 1958 على أساسِ إبقاءِ الجزائرِ فرنسيّةً، ثمّ غيّرَ موقفَه وقَبِل باستقلالِ الجزائر سنة 1962.
مصلحةُ لبنان العليا تَقضي أن يًقيِّمَ الرئيسُ ميشال عون سريعًا مسيرةَ عهدِه. فلا تبديلُ حكومةٍ ولا انتخاباتٌ نيابيّةٌ جديدةٌ ولا خُطّةٌ إصلاحيّةٌ تُوقِفُ المأساةَ اللبنانيّة. لا الغربُ ولا الشرقُ، لا الدولُ المانحةُ ولا صندوقُ النقدِ الدوليِّ ولا مؤتمرُ سيدر، ولا اللهُ والملائكةُ والأنبياءُ سيساعدون لبنان ما لم يراجِع العهدُ خِياراتِه الاستراتيجيّة. الأزمةُ مزمنةٌ، لكنَّ سببَ الانهيارِ المباشَرَ هو هذا التحالفُ المرصوصُ بين رئيسِ الجمهوريّةِ وحزبِ الله وحلفائِه، واستطرادًا مع المحورِ الإيرانيّ/السوريّ. فبقدْر ما تُشكّل العَلاقةُ مع هذا المحورِ ضرورةً لاستقرارِ لبنان، مُضِرٌّ التحالفُ معه على حسابِ المكوّناتِ اللبنانيّةِ والصداقاتِ العربيّةِ والدوليّة، وخلافًا لثوابتِ لبنان الحديثةِ والتاريخيّة. فلا هذا هو خِيارُ الأقليّات ولا هذا هو خِيارُ الأكثريّات. لا هؤلاءِ هم الشرقُ ولا هؤلاءِ هم العرب. هذا خِيارٌ اصطناعيٌّ مُدمِّر. نحن الشرقُ بتراثِنا وأرضِنا، ونحن العربُ بثقافتِنا وانتمائِنا، ونحن الغربُ بحضارتِنا وحداثتِنا. ونحن الأكثريّاتُ والأقليّات. الصيغةُ اللبنانيّةُ التعدديّةُ قَطعَت الطريقَ منذ 1920 على خِياراتٍ فئويّةٍ تَنقُضُ هويّةَ محيطِنا التعدديِّ، فلبنان بتكوينِه هو مُحصِّلةُ كلِّ هذه الخِياراتِ الإنسانيّةِ والدينيّة ِوالجُغرافيّة.
حان الوقتُ، يا فخامةَ الرئيس، أن تُصارحَ حلفاءَك بأن يُطلِقوا سَراحَ عهدِك وشعبِك. أنت في سنةِ 2020 محاصَرٌ في قصرِ بعبدا أكثر مما كنت محاصَـرًا فيه سنةَ 1988. والأطرافُ ذاتُها التي أسقَطَتْك عامَ ذاك وهي عَدوّةٌ لك، تُسقِطُ عهدَك اليومَ وهي تَدّعي التحالفَ معك. وحدَها الأسماءُ تغيّرت. الشعبُ يَنتظر انتفاضتَك لتُغنِيه عن انتفاضتِه، والعالمُ يَترقّبُ موقِفَكَ ليُصدرَ موقفَه. لم يَضع العالمُ شروطًا ليُساعدَنا إلّا أن نكونَ مستقلّين وسياديّين، أن نَحترمَ دستورَنا ونظامَنا وحدودَنا، أنْ ننأى عن حروب المنطقةِ، وأن تَخرجَ الشرعيّةُ من كنف حزب الله. أهذه الشروطُ إملاءاتٌ خارجيةٌ أم واجباتٌ وطنيّةٌ يَفرِضُها القَسَمُ الرئاسيُّ أوّلًا؟ أهذه الشروطُ لمصلحةِ أميركا وأوروبا أم لمصلحةِ جميعِ اللبنانيّين؟
فخامةَ الرئيس، كلُّ اجتماعٍ تدعو إليه في قصر بعبدا مرحَّبٌ به، لكنَّ الحاجةَ اليوم هي إلى اجتماعٍ واحدٍ بينَك وبين حلفائِك، فتقول لهم: عذرًا… هكذا يعود القصرُ “بيتَ الشعب وتعودُ أنتَ رئيسًا قويًّا.