في عام 1953 استطاع جيمس واطنسون وفرنسيس كريك أن يخرجا للعالم  موناليزا علمية فريدة عبر فك شفرة الحامض النووي منقوص الأوكسجين (الدنا)،  وهو الكود الجيني الذي يحمل التعليمات الوراثية التي تتحكم في وظائف الجسم المختلفة.
يتكون جزيء الحمض النووي الدنا من لولب مزدوج يتكون من شريطين من النيوكليوتيدات المرتبطة ببعضها، ويتكون كل نكليوتيد من قاعدة نيتروجينية وسكر ريبوز منقوص الأوكسجين ومجموعة فوسفات. ويحدث الارتباط بين الشريطين كسلم ملتو عبر القواعد النيتروجينية وعددها أربع: الأدينين والثيامين والجوانين والسيتوزين التي ترتبط بروابط هيدروجينية مشكلة درجات السلم، أما السكر والفوسفات فتشكل جانبي السلم .وتشكل هذه القواعد النيتروجينية في جزيء الدنا حروف اللغة الجينية التي تشكل المخزون الوراثي، فضلا عن أن ترتيبها يسمى بالشفرة الوراثية والتي بدورها تميز كائن حي عن أخر. إنها لغة خاصة ذات حروف وجمل متفاوتة الطول والمترادفات تتحكم في مهامنا الحيوية ومظهرنا الخارجي وامكانية اصابتنا بالأمراض المختلفة.
ومع نهاية القرن العشرين كان لنا موعد مع مشروع طموح وهو مشروع الجينوم البشري، الذي بدأ العمل به رسمياً  عام 1990 بهدف كشف المادة الوراثية بشكل كامل.  ويحتوي الجينوم البشري على حوالي ٢٥ ألف جين، تمكن العلماء من تحديدها و دراستها، ويعد هذا الكشف بداية للتعرف على الجينات المسببة للأمراض بهدف تعديل الجينات وإصلاحها.
استخدامات العلاج الجيني
أمي هل سأموت  هذه المرة ؟؟ كان هذا سؤال الطفلة “سينثيا كاتشال”  لوالدتها في كل مرة  تذهب فيها الى المستشفى.  كانت الطفلة تعاني من مرض انهيار المناعة المركب، والذي يحدث نتيجة عيب في الجين المسؤول عن تطور خلايا الدم البيضاء اللمفاوية المسؤولة عن مناعة الجسم ضد الانتانات، وبالتالي يصبح الجسم بلا جهاز مناعي يدافع عنه. 
ومع قسوة السؤال كان للعلم دوراً في الرد علي سؤال الطفلة المشروع وحقها في الحياة، حيث  خضعت “سينثيا” لاولى فصول العلاج الجيني. كان ذلك في  عام 1990  علي يد الطبيب الأمريكي “فرنش أندرسون” الاب الروحي للعلاج الجيني.  كانت المريضة  طفلة في الرابعة من عمرها تعاني من اضطراب مناعي نادر، وتم علاجها بتعديل وراثي لخلايا الدم البيضاء المختلة وظيفياً واستكمال الجين المريض.  وكان هذا الحدث فتحاً جديداً في علاج الأمراض المستعصية اعتماداً على تعديل الجينات الوراثية المسؤولة عن الاصابة بالمرض.
 يعتمد العلاج الجيني على اضافة جين سليم أو إزالة الجين المعطوب أو تعديله  وذلك لعلاج الأمراض ذات المنشأ الوراثي بشكل كامل.  ويعتبر  العلاج الجيني مبشراً في علاج عدد كبير من الأمراض خاصة الأمراض أحادية المنشأ الجيني (أي أن جين واحد فقط مسؤول عن الاصابة بها)  وفي مقدمتها داء التليف الكيسي والناعور وبعض الأمراض السرطانية.
فمثلا ترتبط أنواع من السرطانات بوجود عطب في الجين p53 والمعروف بحارس الجينوم ، فإذا أمكن استبدال هذا الجين المعيب،  يمكن بالتالي ايقاف نشاط الخلايا السرطانية.  وكذلك يمكن استخدام العلاج الجيني في تدريب الجهاز المناعي ليكون أكثر قدرة على التعرف على الخلايا السرطانية والقضاء عليها.
 ولقد أحدثت تقنية كرسبر كاس 9  نقله كبيرة في التعديل الجيني فكانت كالمشرط الجراحي شديد الدقة، وهي آلية جزيئية اكتشفها اليابانيون في البكتريا التي تدافع عن نفسها ضد الفيروسات وتدمرها باستخدام انزيم القطع كاس 9. وقد أمكن الاستفادة من هذه الخاصية في برمجته  كمقص جزيئي يمكنه الذهاب لمكان محدد من الجينوم لتقطيع الحمض النووي واصلاح الجزء المعطوب منه. غير أن الوقت ما يزال مبكراً  للحكم على سلامة مثل هذا النوع من التعديل الجيني، حيث تربط بعض الدراسات بين هذه التقنية وبين احتمالات الاصابة بالسرطانات.

آمال وتحديات
تعتبر أكبر العقبات نحو التوسع في العلاجات الجينية هي تكلفتها المادية الباهظة  فضلا عن كونها ما زالت في طور التجارب السريرية للحكم على فعاليتها وسلامتها، كما أنها تحتاج لاستكمالها إلى موافقة منظمات الصحة الحكومية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.
ومع ذلك فقد استطاعت بعض الشركات الدوائية من طرح علاجات جينية مختلفة، فشركة “نوفارتس” طرحت “كيمريا” لعلاج سرطان الدم الليمفاوي، والذي يعمل علي تنشيط الجهاز المناعي ليقوم بمحاربة الخلايا السرطانية الدموية.  ومع تقدم الأبحاث في مجال العلاجات الجينية طرحت شركة سيارك عقارها (لوكستورنا) لعلاج فقدان البصر عند مرضى ضمور الشبكية الوراثي.
وسيظل العلاج الجيني مجالاً بحثياً خصباً يحمل وعوداً مستقبلية بإطالة عمر الانسان  ومعالجة أمراض مستعصية شتى تعصف بمجتمعاتنا. 
 الأستاذة الدكتورة منى كيال – استشارية المختبرات الطبيةد.محمد فتحي عبد العال-  كاتب وباحث