بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

لا يبدو أن الأقدار ستبتسم طويلاً لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وإن كان قد نجح في تفكيك جبهة خصومه وتفتيت تكتلهم، وتشتيت أصواتهم وإضعاف تأثيرهم، وتمكن إلى درجةٍ كبيرةٍ من شق صفوفهم، وإحداث الوقيعة بينهم، وأفقدهم الثقة ببعضهم، وعزلهم عن محيطهم والمؤيدين لهم، وقد ظن عندما شكل حكومةً ائتلافيةً برئاسته، أن الأمور ستستقر له، وأن المستقبل سينفتح أمامه، وستزول العقبات التي كانت تعترضه، وستسقط المخاوف التي كانت تهدده، وسيعود زعيماً للشعب اليهودي يثق به ويصدقه، وينتخبه ويقدمه، ويحترمه ويبجله، ويحميه ويدافع عنه.

لكن الشارع الإسرائيلي لم يثق به ولم يطمأن إليه، رغم وعوده بضم الكتل الاستيطانية ومساحاتٍ كبيرة من الأراضي الفلسطينية إلى السيادة الإسرائيلية، وبسرعةٍ انقلب ضده وفتح النار عليه، وخرج إلى الميادين العامة والشوارع الرئيسة في المدن والبلدات معارضاً له ومتظاهراً ضده، يطالبه بتنفيذ وعوده والوفاء بتعهداته، وبدأ بمحاسبته ودعوته إلى الاستقالة، وإجراء انتخاباتٍ برلمانية جديدة، واتهموه بالسوء والفساد، وبالكذب والتضليل، والمماطلة وعدم الحسم، والمغامرة والمخاطرة، والأنانية والشخصانية، وأنه يقدم مصالحه الخاصة وطموحاته الشخصية على مصالح الشعب والبلاد، وأنه يخاطر بالبلاد ويستأثر بالقرار ولا يحسن تقدير العواقب ولا تشخيص الحال.

ولأنه برأي كثيرٍ منهم، أضر بشعب إسرائيل، وألحق أضراراً كبيرة بالدولة، سياسية وأمنية واقتصادية وصحية واجتماعية، فقد خرج إسرائيليون كثيرون من مختلف الفئات العمرية، والطبقات الاجتماعية والميول الدينية والتوجهات السياسية، إلى الشوارع العامة والميادين الكبيرة، للتظاهر والاعتصام أمام بيته، وأمام مكتبه في ديوان رئاسة الحكومة، ضده شخصياً، وضد سياسته العامة، ويبدو أنه حراكٌ عامٌ يكبر ويتسع وينتشر ويتعمق، وهو ما يقلق نتنياهو ويشغله، ويربك حساباته ويعطل برنامجه الخاص.

رفع المتظاهرون في مسيراتهم الاحتجاجية أكثر من شعارٍ، وطالبوا نتنياهو بأكثر من قضية، فقد شككوا في سياسته في مواجهة وباء كورونا، واتهموه بالكذب عندما ادعى أن مهمته الأولى في الحكومة مع حلفائه فيها، كانت مواجهة وباء كورونا، ومنع انتشاره والعمل على تجهيز ما يلزم للوقاية منه والاستشفاء، لكن الشارع الإسرائيلي الذي لا يصدقه، لم يلمس جديةً في إجراءاته أو مسؤولية في قراراته، بل رأى أنه استخدم وباء كورونا جسراً للعبور إلى رئاسة الحكومة، وسبيلاً لإقناع خصومه بالقبول بشراكته لمواجهة الوباء والتصدي له، وكانت النتيجة تفشي المرض وارتفاع مستوى الإصابة اليومية، وزيادة أعداد الوفيات.

أما آخرون فقد رأوا أن مكان نتنياهو هو السجن وليس مكتب رئاسة الحكومة، فهو متهمٌ بالفساد والرشوة والاحتيال والخيانة وسوء الائتمان، وأن على مدعي عام الدولة أن يصدر قراراً بعدم ملائمة استمراره في منصبه، والتوصية باستقالته الطوعية أو إقالته القسرية، والمباشرة الفورية في إجراءات المحاكمة، وعدم السماح له بمزيدٍ من المماطلة والتسويف في قضايا الشعب والدولة.

قدم كثيرٌ من المتظاهرين والمحتجين شكاوى إلى مراكز الشرطة في القدس وتل أبيب وقيسارية، ضد رئيس الحكومة، يتهمونه فيها بإصدار أوامر إلى الشرطة وفرق مكافحة الشغب، باستخدام القوة المفرطة والمياه العادمة، وخراطيم المياه القوية، والقنابل المسيلة للدموع في قمع المتظاهرين وفض جموعهم، وقد تسببت هذه الأساليب البوليسية القمعية في إلحاق أضرارٍ ماديةٍ ومعنوية بالعديد من المتظاهرين، وحملوه كامل المسؤولية عن أي إصابة أو ضرر تلحق بهم خلال مظاهراتهم المرخصة قانوناً والمعلن عنها مسبقاً.

أما ذوو الجنود الإسرائيليين المفقودين في قطاع غزة وأنصارهم، فهم لا يتوقفون عن التظاهر والوقفات العامة، يحرضون الشارع والرأي العام ضد نتنياهو، ويتهمونه بالكذب والمراوغة وعدم الجدية والمسؤولية في محاولة إيجاد حلٍ سريعٍ لقضاياهم “الإنسانية”، وأنه لا يبذل الجهود الكافية والمطلوبة لاستعادتهم من غزة.

شكل القطاع الاقتصادي محركاً كبيراً لقطاعاتٍ شعبيةٍ واسعة ضد نتنياهو، يتقدمهم العاطلون عن العمل، وفاقدو أعمالهم، والمفصولون والمصروفون من وظائفهم، الذين فاق عددهم المليون عاطلٍ، وأصحاب المطاعم والفنادق ومكاتب السفر والطيران، وغيرهم ممن طالتهم جائحة كورونا بتداعياتها الاقتصادية، يطالبونه بالتعويض عليهم، وإصدار قراراتٍ تحفظ حقوقهم وتقلل من حجم خسائرهم.

لا يتورع قطاعٌ كبير من الإسرائيليين عن اتهام رئيس حكومتهم بالفاسد، غامزين من طرفٍ خفيٍ حيناً وصريحٍ في أحيانٍ أخرى، من سلوكيات زوجته سارة، المسرفة المبذرة، المتدخلة في شؤون ديوان رئاسة الحكومة أحياناً، والعابثة بالشؤون العامة دون قيود، وضد ابنه يائير الذي يحاول الصعود وإثبات الوجود مستغلاً سلطات والده ومنصبه في رئاسة الحكومة، ويتهمونه بالتساهل معهما إزاء استغلالهما لامتيازات الدولة ورئيس الحكومة.

ومن ناحيةٍ أخرى يخرج المستوطنون وغلاة المتطرفين ورجال الدين ضد نتنياهو يتهمونه بالتفريط في أرض إسرائيل، وأنه يتنازل عن 70% من يهودا والسامرة لصالح الفلسطينيين، ويرون أنه يضيق على المستوطنين، ويحرمهم من حقوقهم، ويمنعهم من التوسع الطبيعي والبناء ضمن مناطقهم، ويحول دون وصول الدعم والمساعدات المادية إليهم، رغم أنهم ينمون طبيعياً ويزدادون عدداً بالولادة.

أما الحريديم ورجال الدين المتطرفين، فيتظاهرون ضده بصورةٍ دائمةٍ، يتهمونه بالتخلي عن التعاليم اليهودية، وانتهاك حرمة السبت والمناسبات الدينية، ويحملونه المسؤولية عن قيام الشرطة بإغلاق مقارهم، ومنعهم من إحياء الطقوس الدينية، وإجبارهم على حجر أنفسهم والامتناع عن دخول كُنُسهم ودور عبادتهم.

لا ينتهي الحراك الشعبي الإسرائيلي ولا تتوقف فصوله، بل تزداد أعداده وتتنوع أشكاله، وتلتحق به كل يوم فئاتٌ جديدة، تتفق جميعها على هدف إسقاط نتنياهو وإنهاء تسلطه على منصب رئاسة الحكومة، ومنعه من استغلال أزمات الشعب والبلاد في تحقيق أهدافه الشخصية ومنافعه الفردية، فهل نحسن استغلال حراكهم الشعبي واضطرابهم القيادي، وخلافاتهم الحزبية، وأحقادهم الشخصية، ونوظفها جميعها في تطوير برامج المقاومة.

بيروت في 27/7/2020

moustafa.leddawi@gmail.com