بادرت جمعية تجار بيروت، ممثـّـلة برئيسها نقولا شماس، وفي ظل تسارع وتيرة تدهور الدورتين الإقتصادية بشكل عام، والتجارية بشكلٍ خاص، إلى دعوة الفعاليات التجارية من جمعيات ونقابات ولجان أسواق، وبحضور رئيس المجلس الإقتصادي والإجتماعي شارل عربيد، الذي شارك بجزء من الإجتماع ونائب رئيس غرفة بيروت الدكتور نبيل فهد، إلى لقاء إستثنائي وموسّع للوقوف عند خطورة الأوضاع والتطوّرات المتلاحقة، وإتّخاذ القرارات المطلوبة والتي تتناسب مع حجم الفاجعة الواقعة على جميع اللبنانيين.

وجاء هذا اللقاء للتعبير عن إستنكارهم الشديد لما آلت إليه الأمور، وعن رفضهم المُطلق لأي تدبير ضريبي أو إداري أو تشريعي من شأنه أن يمسّ بإستمرارية القطاع التجاري خاصةً، والإقتصاد الوطني عامة ً، وهما أصلا ً في حالٍ  من شبه الموت السريري.

وإن جمعية تجار بيروت، والتي لطالما تمتـّـعت بالمصداقية وصوابية الرؤية، كما في طروحاتها الأخيرة حول “الدولار الإجتماعي” ، وتحذيرها من “العنف الإقتصادي”، تـُـنبـِّـه اليوم من أن الأزمة المتدحرجة لن ترحم أحداً من كبير وصغير، من قريب وبعيد، من قديم وجديد، فإن الجميع سائر نحو المطحنة.

والأشنع أن كل التضحيات، والتي بدل أن تكون محل تقدير من قِبل القيـّـمين على الوضع، لم تشفع بشيء، فنـُـعِت القطاع التجاري بأبشع الصفات، من ريعي وإنتهازي وجشع، في حين أنه يتلقـّـف الضربات بصبر وشجاعة، بينما الريع الحقيقي مـُـتـَـعـَـشعـِـش في الطبقة السياسية ومحميات القطاع العام.

فإن السلطة أجرت، من حيث تدري أو لا تدري، مفاضلة مجنونة لصالح القطاع العام ، إستنزفت ولا تزال القطاع الخاص بنشاطه، والمواطن اللبناني بلقمة عيشه، فباتت تـُـقفل مؤسسات معمـّـِرة

وعريقة – بنسبة سنوية تراوحت بين 4 و 12 % في بيروت، وأكثر من ذلك في المناطق، بعد أن تراجعت أرقام الأعمال بنسبة وسطية بلغت 40% منذ أواخر العام 2011 – من أجل تأبيد إمتيازات باهظة للمستفيدين من القطاع العام، وهذا ما ولـّـد وسيولـّـد أكثر فأكثر نقمة كبيرة آثارها وخـِـيمة على تماسك المجتمع اللبناني وتكامله لا سمح الله.

وبما أن القطاع التجاري هو الإبن البكر للإقتصاد اللبناني، تراه يتحرّك أولاً بأول لنصرة القطاع الخاص، حيث لا مسؤول يسأل عنه، لا وزير ولا مدير ولا حتى حاجب، ولا يتوجهون إليه إلّا للملامة والتوبيخ والإقتصاص منه، عن غير وجه حق، والتطوّع لفرض المزيد من الضرائب والرسوم لإرهاقه، كما وكأن المطلوب هو شطب القطاع التجاري من الوجود، وهو قطاعٌ تأسيسيٌ في الجمهورية اللبنانية.

وهنا يؤكد المجتمعون أن للقطاع التجاري أبٌ وأمٌ، على رأسهما جمعية تجار بيروت، لردّ الضربات عنه، والدفاع عن ديمومته بعد أن أصبح القطاع على شفير تبدُّد كل  ما تحقـّـق منذ ثلاثين عاماً.

وبما أن أزمة الدولار، التي أسهبت الجمعية في شرحها وتفصيلها، ما هي إلا نتيجة لسوء الإدارة المالية والإقتصادية، نعود ونؤكد هنا، وحتى إنقطاع النفس، أن المطلوب هو تخفيض العجز في الموازنة وتقليص التورّم في القطاع العام وإطلاق عجلة النمو المتين والمستدام.

وبما أن القطاع الخاص يرفض بعد اليوم أن يـُـقتاد إلى المسلخ الإقتصادي، يبادر القطاع التجاري، كما في كل مرة، إلى التحرّك والإقدام.

وإن هذه المبادرة غير موجّهة ضد أحد، بل هي برسم الجميع ولمصلحة القطاع الخاص والمجتمع اللبناني برمـّـته.

وبعكس الخطوات العشوائية المُتـّـخذة هنا وهناك والمجهولة الفاعل، إن تحرّكنا مدروس ومنظـَّم ومعروف الفاعل والعنوان، عـَـنـَـينا جمعية تجار بيروت، متوسـّـطة القطاع التجاري بأسره.

وبناءً على مشاورات مكثـّـفة، وتحسّساً لدقة الواقع، وتفادياً لإيقاع المزيد من الخسائر، قرّر المجتمعون أن تتمثل الخطوة التحركية الأولى بتوقـّـف عن العمل، تحت عنوان:  

إحتجاجاً على إنهيار القطاع الخاص ومستوى معيشة المواطنين

وموعد هذا التوقف هو يوم الخميس الواقع فيه 10 تشرين الأول 2019، عند الساعة 11 من قبل الظهر، ولساعة واحدة.

وسينعقد في الوقت ذاته لقاء مركزي في جمعية تجار بيروت لمتابعة التطورات وإتخاذ التدابير اللاحقة.

وإن هذه الوقفة الرمزية هي أول الغيث، وليست آخر المطاف، ونعوّل على نسبة إلتزام ولحظة تأمل من قبل الجميع أمام التساؤل الآتي: أين أصبحنا، وإلى أين نحن ذاهبون ؟

وتبقى لجميع الملتزمين بهذه المبادرة الحرية المطلقة في ترجمة هذه الخطوة، داخل مكان العمل أو خارجه، كما وفي كيفية الإلتزام والتعبير عن الإحتجاج.

وللمتردّدين نقول : من لا يشعر بالوجع أو الخطر أو القلق أو الخوف على المصير، فليتجاهل هذه المبادرة.

أما للمتجاوبين نقول : أنتم تلبّون نداء من سبقنا في الماضي وتفانى من أجل بناء الإقتصاد اللبناني وسلّمنا المشعل، كما و نداء من سَيـَـلِينا في المستقبل في تحمـّـل المسؤولية، وقد أحملنا الأمانة الغالية .

أخيراً نقول : نحن، في القطاع الخاص اللبناني، أهل الأمل والرجاء والإيجابية المطلقة. لكن، وفي اللحظات المفصلية، إن كلمة “لا” المدويـّـة والشافية خير بألف مرة من ألـ “نعم” المتخاذلة والقاتلة.