إنّ الفساد والاحتيال يؤثران سلبا على المجتمعات، خاصة في بلد مثل لبنان، لا سيما وأنهما يساهمان في تعطيل النمو الاقتصادي وتقليص الأموال العامة وبالتالي زعزعة ثقة الجمهور.

إنضمّ لبنان في نيسان 2009 إلى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، مع مشاركة مصرف لبنان عن كثب في المفاوضات ذات الصلة، نظرا لطبيعة نظامنا المصرفي الذي يلتزم بمبدأ السرية المصرفية. وبحُكم متطلبات هذه السرية والصلة القوية بين الفساد والجرائم المالية الأخرى، خاصة تبييض الأموال، توسعّت صلاحيات وحدة الإخبار المالي اللبنانية، التي أترأسها بصفتي حاكم مصرف لبنان، لتشمل القضايا المتعلقة بالفساد.

كانت الحكومة اللبنانية صريحة في الآونة الأخيرة، موضحة أنها لن تكون متسامحة بعد اليوم مع عمليات الفساد. وفي هذا الصدد، نشط لبنان في مكافحة الفساد والاحتيال، وتبنّى سياسة الإصلاح وأرسى الإطار القانوني اللازم لتعزيز سيادة القانون والضوابط التنظيمية في هذا المجال وتمتين مؤسساته.

بالإضافة إلى ذلك، كان لبنان من بين البلدان الأولى، إن لم يكن الأول في إعادة الأصول المُصادرة التي تمثّل عائدات جرائم الفساد إلى أصحابها الشرعيين، وأعني هنا الحكومة التونسية، على الرغم من عدم وجود بنية تحتية قانونية شاملة لمصادرة وإعادة الممتلكات المحجوزة. ولكنها، كانت مبادرة حسنة النية من جهتنا. 

إنّ الحكومة اللبنانية تضع حاليا اللمسات الأخيرة على الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، والتي تتضمن إنشاء لجنة وطنية لمكافحة الفساد من شأنها خلق الوعي والمناضلة للقضاء على الفساد، بالتعاون مع الجهة القضائية المختصة في الحكومة. تشمل هذه الإستراتيجية أيضا إقرار قوانين أخرى ذات صلة مثل إدارة الأصول المُصادرة. وقد أطلق رئيس الوزراء مؤخرا استراتيجية وطنية لمكافحة الجريمة الإلكترونية.

أما من جهتنا، فهدفنا كسلطة رقابية على القطاع المصرفي والمالي يكمُن في ضمان عدم استخدام المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية كقنوات لتسهيل عمليات الفساد التي تنطوي على كميات كبيرة من الأصول، وللقيام بعمليات إحتيالية. من هذا المنطلق وفي إطار الامتثال، طلب مصرف لبنان من المصارف إنشاء وحدات ولجان إمتثال تابعة لمجالس إدارتها، وتزويدها بالموارد اللازمة لإدارة وردع أي خطر من استغلالها كوسيط لتنفيذ جرائم الفساد.     

ولهذه الغاية، أصدر البنك المركزي مجموعة تعاميم موجّهة إلى القطاع المصرفي، بما فيها وضع معايير حول شفافية أصحاب الحق الاقتصادي، للمساعدة في تحديد أصحاب الحق الاقتصادي بالنسبة للأشخاص المعنويين والتراست “Trust”. يحرُص مصرف لبنان على أن تطبِّق المصارف اللبنانية الممارسات الفضلى الدولية لدى قيامها بإجراءات العناية الواجبة على صعيد هياكلها الإدارية ومصادر أموال عملائها. كما يحرُص دائما على تشجيع المصارف العاملة في لبنان على تعزيز أنظمة الامتثال لديها والحصول على الموارد اللازمة لتحديد أية عملية احتيال أو فساد مشبوهة.         

 ويؤمن المركزي بأنّ تهديدات الأمن السيبراني المحتملة التي قد تطال القطاع المصرفي تشوّه سمعته وتقوّض ثقة الجمهور بالقطاع المالي ومتانته. لذلك، أصدر دليلا إرشاديا بالتعاون مع جمعية مصارف لبنان، يليه تعميم حول الوقاية من الأفعال الجرمية الإلكترونية، من أجل التشديد على أهمّية حماية أمن المصارف من أي محاولات إحتيالية مماثلة.   

من هنا، يعتبر مصرف لبنان أنّ إرساء ثقافة حسن الأخلاق والسلوك في القطاع المصرفي، إضافة إلى كلّ المساعي العملية والقانونية ذات الصلة، له أهمّية قصوى في مكافحة الفساد والإحتيال. كما أنّ نشر التوعية واتخاذ الإجراءات الإستباقية في تنفيذ القوانين، فضلا عن التعاون مع السلطات الرقابية وتبادل المعلومات معها، يساهم في الحدّ من حالات الإختراق والجرائم المالية.  

تمكّن مصرف لبنان من كشف عدد من حالات الفساد بفضل السلطة الرقابية على القطاع المصرفي بالتعاون مع هذا الأخير. ونتيجة هذه الجهود المبذولة، تمّ تجميد عدة حسابات مصرفية، ورفع السرّية عنها، وإحالتها إلى السلطة القضائية المختصة لاتّخاذ الإجراءات القانونية المناسبة. كما تمّ فرض عقوبات على بعض المصارف العاملة في لبنان، وقام مصرف لبنان على أثرها بتعيين مسؤول إداري وتكليفه بإدارة هذه المصارف نتيجة تورّطها في تسهيل توجيه عائدات جرائم الفساد.     

ختاماً، في بلد كلبنان حيث تشكل علاقاته مع المجتمع الدولي والجهات الفاعلة في الأسواق المالية العالمية ركيزة استمراريته، يبقى التعاون الدولي ضروريا في مجال الفساد والإحتيال ومصادرة واسترداد وإعادة حصيلة الجرائم ذات الصّلة، خاصة وأنه يساهم في منع الفساد ومكافحته على المستويين المحلّي والدولي.      

كنّا وسنبقى دوماً ملتزمين بمبادئ التعاون وتبادل المعلومات ومساعدة نظرائنا من أجل مكافحة الفساد.